1995

 من أغرب القصص


                                    1995


        لعلك عزيزي القارئ و أنت تطالع أحداث هذه القصة تلمس فيها استغرابا يجعلك في ريبة من واقعيتها ، و ربما قد لا تصدق ما جاء فيها ، و من حقك ذلك ، فأنا نفسي الذي أنقلها إليك استغربت وقائعها ، و لولا أنني استمعت إليها من شخصين  في زمنين و مكانين مختلفين لظننتها ضربا من الخيال الذي يستحيل أن يحدث في الواقع ، و من باب الصدف أن قصصتها على أحدهم فأثبت لي أنها حدثت فعلا 

و قد سبق له هو أيضا أن سمع أحدهم يحكيها في أحد المجالس ، إلى هذا الحد لم يبق أمامي سوى أن أصدقها ، 

و أنا أؤمن بأنها قد تكون آية من آيات الله سبحانه و تعالى في خلقه ، فهو جل في علاه فعال لما يريد و لا يعجزه شيء في الأرض و لا في السماء .

بعدما عرفت تفاصيل الحكاية ، قررت أن أكتبها بأسلوبي الخاص الذي يجمع بين السرد و الإخبار من غير زيادة أو نقصان في مضمونها اللهم ما كان من محسنات الأسلوب القصصي التي أضفيت عليها ليستمتع القارئ بأحداثها الغريبة ، كما أن أسماء شخصيات الحكاية مستعارة و ليست حقيقية إلا ما جاء منها من باب الصدف .


        ليس من الغريب في شهر يوليوز أن يلجأ سكان مدينة مراكش إلى المناطق الجبلية المجاورة هروبا من الحرارة المفرطة التي لا يطيق أهل المدينة على لفحها صبرا، و لعل أقرب مكان في مقدور أغلب الناس التوجه إليه هو منطقة أوريكا بجبالها الشامخة و أوديتها الدافقة و طبيعتها الخلابة ، فهي الملاذ الذي يقصده الناس و السياح في مثل هذا الوقت الحار للاستمتاع بأجوائها المعتدلة و هوائها النقي المنعش على طول الوادي المتدفقة مياهه ، بعيدا عن صخب المدينة و حرارتها الحارقة ، فالمكان ظليل ، هواؤه منعش و في ذلك ما يزيد الطبيعة رونقا وجمالا . 

و لكن حدث ذات عشية من شهر يوليوز  من سنة 1995 على غير العادة و غير المتوقع أن تلاحقت السحب بالسماء فوق جبال الأطلس القريبة من أوريكا  إلى أن أصبحت دكناء من شدة تكاثفها و دوى رعد ملأ هزيمه الدنيا و رددت أصداءه الجبال ، و في لمح البصر انطلقت العاصفة من عقالها تبرق 

و ترعد و تهاطل مطر غزير جارف لم تشهد المنطقة مثيلا له خصوصا في هذا الوقت من فصل الصيف .

 تجمعت المياه الطوفانية في الوادي و قد غذته المسيلات المنحدرة بقوة جارفة عبر سفوح الجبال ، مما جعله يمتلئ عن آخره ، بل ارتفع منسوبه بشكل مخيف ، زاد من شدة هيجانه ضيق حوضه المحصور بين الجبال ، فانطلق يزمجر جارفا كل ما يعترض طريقه من أشجار و أحجار ،

و المصطافون في غفلة مما يجري ما دام الطقس شبه صحو في أماكن تواجدهم ، و ليس بالمنطقة آنذاك وسائل الإنذار الموجودة حاليا ، كما أن انسياب الماء بتلك السرعة المفرطة لم يترك وقتا لسكان المداشر القريبة من تحذير المصطافين ،

و كيف لهم أن ينبهوا الناس و هم أنفسهم قد بلغ بهم الذعر مبلغه ، مما جعلهم يهرعون إلى الجبال محتمين بأعاليها . 

و ما هي إلا ثوان قليلة حتى فوجئ المصطافون بالمياه تتقاذفهم ، جارفة السيارات و بنايات المقاهي و أثاثها التي على ضفتي الوادي و كأنها دمى تطفو حينا و تغور حينا ، 

و ارتفع الصراخ و العويل ، و الكل يستنجد ، و فقد الاتصال بين أفراد العوائل و صار كل فرد يبحث عن سبيل للنجاة بنفسه ، و قلبه ينفطر خوفا على من كان برفقتهم خصوصا إن كانت له صلة رحم بهم كالوالدين أو الإخوة أو الزوجة 

و الأبناء ، و لكن بطش الطوفان لا يتأثر بمشاعر الناس، و لا تأخذه رأفة أو شفقة ، كأنه وحش ضاري متعطش للفتك ، لا يستثني في ذلك كبيرا أو صغيرا ، و هكذا لم ينج من فكيه إلا قلة قليلة من الذين لم يحن آجالهم بعد ، و الذين شاء القدر أن يتواجدوا في تلك اللحظة  في الأماكن العالية من سفوح الجبال .

من بين هؤلاء مهاجر مغربي اسمه إبراهيم ، كان يلتقط صورا في أعلى الجبل و يستمتع بمناظر الطبيعة ، تاركا زوجته خديجة و ابنته الوحيدة سلمى التي تبلغ من العمر أربع سنوات جالستين على ضفة الوادي ، فما أن رأى الفاجعة حتى انطلق يعدو و يتدحرج عبر سفح الجبل غير مبال بما يلحقه من أذى ، عله يدرك زوجته و ابنته في المكان الذي تركهما جالستين فيه ، و لكن المياه سبقته و غمرت ضفتي الوادي 

و لم يعد يظهر من أماكن جلوس الناس شيئا ، و هرع مذعورا يجري ذهابا و إيابا على سفح الجبل بمحاداة المياه المتلاطمة و ينادي اسم زوجته بأعلى صوته ، و الناجون من حوله في هرج و مرج يبحثون عن ذويهم و هم يصرخون و يولولون ،

و بينما صاحبنا كذلك رأى طفلا صغيرا لم يبلغ بعد سنته الخامسة و قد تمسك بجدع شجرة و هو يصرخ و يستغيث ، فتحركت فيه مشاعر الأبوة و دوافع الإنسانية ، فتقدم نحوه متمهلا ، و بعد لأي انتشله و حضنه إليه و الطفل يرتجف خوفا و بللا ، حمل الطفل بين يديه ثم تابع بحثه و بوادر

اليأس بدأت تكتنفه و لكن الأمل في إيجادهم ظل يساوره ، 

و بينما هو كذلك بدت له من بعيد امرأة بنفس لباس زوجته 

و هي تصرخ صراخا حادا ،توجه نحوها مسرعا فإذا هي زوجته ، ارتمى عليها يعانقها و يهدئ من روعها و بصره يجول فيما حولهما بحثا عن ابنته ، و لكن لا أثر يدل على وجودها ، ترك الطفل الغريب في أحضان زوجته بعد أن صعد بهما إلى مكان آمن ، و انطلق هو من جديد يبحث عن ابنته و الأمل يحدوه في العثور عليها لتكتمل فرحته . 

سار الرجل و مجرى الماء ، ينادي ابنته باسمها ، و لا شيء يرد سوى صدى الجبال و هدير المياه .

عاد إلى زوجته خاوي الوفاض ، لاحظت هذه الأخيرة ملامح اليأس تعلو قسمات وجهه ، فارتمت في أحضانه تبكي بكاء مريرا ينفطر له الشجر و الحجر و هو لا يكف يهدئ من روعها و يبعث الأمل في نفس زوجته و يمني النفس بالعثور على ابنته سلمى .

أمسك بيده اليمنى يد زوجته و باليسرى يد الطفل الغريب 

و هو يأمل أن يصادف من يبحث عن هذا الطفل و لكن لا  أثر  لأحد من أفراد أسرته .

اقترب حلول الليل ، طأطأ رأسه يفكر برهة ، و رأى غير بعيد بعض البيوت في أعلى سفح الجبل فقصدها طالبا من أهلها الإستضافة ، فاستضافوهم و كيف لا و هم أهل كرم في الرخاء فما بالك بهؤلاء الذين ساقهم القدر المحتوم إليهم .

أحسنوا ضيافتهم و قضوا الليل يواسونهم على أمل أن يتابعوا البحث في اليوم الموالي عساهم يعثروا على ابنتهم ، أو يجدوا من يبحث عن الطفل الغريب ، و ما أن لاح ضوء النهار ، و قبل أن ترسل الشمس أول شعاع لها ، عادوا جميعا إلى المكان المنكوب و معهم بعض أفراد الأسرة التي استضافتهم ، و شرعوا في البحث كغيرهم من الذين فقدوا أفراد أسرهم ، انخفض منسوب الماء في الوادي مما مكن الناس و السلطات المحلية و الوقاية المدنية و الاسعاف 

و الدرك من ملاحظة مخلفات الدمار الذي أحدثته عاصفة الأمس ، الجثث في كل مكان على طول مجرى النهر ، هذا غير تلك التي جرفتها المياه إلى أماكن بعيدة ، السيارات محطمة و قد طمرها الوحل و الحجارة ، منظر مخيف تقشعر له الأبدان ، و هو أولا و أخيرا أمر الله و لا راد لقضائه .

وقف الرجل المهاجر و زوجته و قد يئسا من العثور على ابنتهما ، كما يئسا من العثور على أحد أفراد أسرة الطفل الغريب الذي أخبرهما أن اسمه زكرياء ، و أنه كان بالأمس مع والديه و أخته ، و قد رأى المياه تجرفهم بعيدا ، و هذا ما أكد للرجل و زوجته أن أسرته لقت مصرعها غرقا .

الغريب في الأمر أن هذا الطفل الصغير زكرياء قد تشبت بهذا الرجل و زوجته و كأنهما والديه ، و ارتاح لصحبتهما مما خفف عنه وطأة فقدان أهله ، و هو نفس شعورهما أيضا ، لقد عوضا به و بصحبته معهما بعضا من ألم فقدان ابنتهما ، خصوصا 

و أن زكرياء طفل وديع ، تظهر عليه ملامح الذكاء ، و مما زاد في تعلقهما به هو انصياعه لأوامرهما ، و مجاراتهما فيما يقرران .

أخبر الرجل رجال الدرك عن هذا الطفل الذي أصبح بين عشية و ضحاها وحيدا ، فطلب منه رجال الدرك الاحتفاظ بالطفل لبعض الأيام ، حتى تتم الاجراءات القانونية و الانسانية ، من انتشال الجثث و إحصاء الخسائر ، و تهدأ الأمور قليلا .

استلطف الرجل هذا الاقتراح و رجع صحبة زوجته و زكرياء إلى بيته بمراكش في انتظار أن تنتشل الجثث و تودع في مستودع الأموات بمراكش ،حينها يمكنه أن يجد جثة ابنته سلمى و يقوم بدفنها بيديه راضيا بقضاء الله و قدره .

مرت أيام عل الحدث المريع ، و وجدت الزوجة في زكرياء بعض العوض و عاملته كابن لها ، أفرغت عليه من حبها المفقود ، و تعلقت به ، كما تعلق هو بها فأصبح يناديها أمي مما زاد من عطفها و حنانها عليه .

لقد كانت كارثة عظمى و فاجعة محزنة بكل المقاييس ، فهناك أسر فقدت بعض أفرادها ، و أسر لقي كل أفرادها حتفهم ، منهم من انتشلت جثثهم و منهم من طمرته الأوحال ، و منهم من حمله السيل بعيدا و لم يعثر لهم على أثر .

انتشر الخبر في سائر البلاد و عم الحزن و الأسى جميع الناس ، و لم يعد الحديث في مجالس الناس في تلك الأيام إلا عن هذه الفاجعة .

أودعت الجثث المنتشلة في مستودع الأموات بالمدينة الحمراء ، و جاء الناس لاستلام جثامين موتاهم لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة و القيام بمراسيم الدفن ، و هي اللحظة التي كان ينتظرها المهاجر المغربي يحدوه الأمل في إيجاد جثة ابنته و راح يقلب بصره في جثث الأطفال المعروضة في جناح خاص ، و الحزن يعتصر قلبه ، و هو يرى جثث الصبيان الأبرياء ، فأدرفت عيناه دمعا ساخنا  لكن مع الأسف الشديد خاب ظنه إذ لم تكن جثة ابنته بينهم ، انزوى إلى أحد الأركان و أرخى الزمام لدموعه حتى احمرت عيناه من البكاء ،

و إلى جانبه زكرياء الذي اصطحبه معه عساه يصادف أحدا من أهله ، و لكن لا هذا و لا ذاك .

غادر المستشفى و قد أيقن أن ابنته جرفها السيل إلى مكان بعيد لم يصله البحث و لا يمكن أن يصله ، أو ربما طمرتها الأوحال و الصخور عميقا في الأرض ، استسلم للأمر الواقع 

و فوض أمره إلى الله بقلب راض و عرف أن مشيئة الله تنفذ في خلقه و لا معقب لحكمه سبحانه و تعالى .

أخذ بيد الطفل زكرياء ، و توجه لا يلوي على شيء إلى مركز الشرطة ، و قص على الضابط كل الأحداث التي مرت به ، 

و الجهود التي بذلها لإيجاد أهل الطفل الذي أنقذه من موت محقق ، فكر الضابط مليا بعد أن سجل في محضر كل المعلومات التي أدلى بها الرجل ، و استشار رؤساءه في أمر هذه النازلة ، و أوحى للرجل باقتراحين هو مخير في الأخذ  بأحدهما .

أما أولهما فهو إيداع الطفل في ملجأ الأيتام بالمدينة نفسها ، و ثانيهما أن يحتفظ بالطفل و يقوم بالإجراءات القانونية حيث يتقدم إلى المحكمة و يرفع ملتمسا للقاضي يطلب فيه التكفل بالطفل شريطة أن يسلمه لأهله متى ظهر أحدهم .

استحسن المهاجر الاقتراح الثاني ، و اصطحب زكرياء إلى البيت و لم يكثر الحديث معه على طول الطريق إذ كان مشغولا بالتفكير في الطريقة و الأسلوب الذي ينهجه مع زوجته المتلهفة لمعرفة آخر أخبار ابنتها سلمى ، خصوصا 

و أنه لم يجد جثتها في مستودع الأموات .

رن جرس المنزل و فتح الباب على التو ، لأن الزوجة المسكينة كانت جالسة خلفه تنتظر عودة زوجها ، ما أن فتحت الباب حتى رأت الدموع في عين زوجها ، فعلمت أن أملها تلاشى بل انعدم في إيجاد ابنتها الوحيدة حية أو ميتة ، أما الزوج فقد غالبته الدموع في هذا الموقف الرهيب رغم صبره و يقينه ، احتضنت الزوجة زكرياء بقوة وارتمت في أحضان زوجها تبكي بكاء مريرا .

أخبرها زوجها بكل المستجدات بخصوص زكرياء مما خفف عنها وطأة الحزن إذ لم تكن تريد أن تفقده هو أيضا بعدما أحبته و استأنست بعشرته طوال هذه الأيام الكئيبة ، فما كان منها إلا أن ألحت على زوجها التعجيل بالاجراءات القانونية

للتكفل بالطفل ، كانت تقول ذلك و هي تحتضنه و هو ببراءة الأطفال يمسح دموعها بيديه الناعمتين و ينظر إليها نظرة المستعطف الذي وجد في اهتمامها به الحنان الذي عوضه عن فقدان أمه البيولوجية .

الطفل زكرياء ذو الأعوام الخمسة ،  يقول أن اسمه العائلي هو صالح و أن  اسم أبيه أحمد و اسم أمه ربيعة و أخته التي تكبره قليلا اسمها نادية و لا شيء سوى هذه المعلومات القليلة و هذا ما يمكن أن يذكره طفل في مثل سنه ، و لولا نباهته و ذكاءه لأنساه هول الصدمة حتى هذا القليل الذي أدلى به .

شرع الرجل المهاجر في تحضير كل ما طلب منه من لدن المحكمة فيما يخص أمر التكفل بالطفل و سجلت المعلومات المتوفرة لدى الدرك و الشرطة ، في محضر الضابطة القضائية ، و أعيد تسجيل الطفل بنفس الاسم العائلي 

و الشخصي مع اسم أبيه و أمه كما جاء على لسانه ، و تم تسجيل محضر التكفل يضم كل المعلومات الخاصة بالأسرة المتكفلة ، و على ضوء كل هذه المعطيات تم استخراج جواز السفر للطفل حتى تتمكن الأسرة من اصطحابه معها إلى الخارج ، مع الإدلاء بعنوان إقامتها حتى تتمكن السلطات المختصة من الاتصال بها في حالة ظهور مستجد يتعلق بالطفل المتكفل به .

بعدما انتهى المهاجر إبراهيم و زوجته خديجة من كل الاجراءات المتعلقة بالطفل زكرياء ، أقاما وليمة ترحما على ابنتهما المفقودة ، حضرها مجموعة من أهل الذكر و بعض الجيران ، بعدها بأيام قليلة سافرت الأسرة إلى الخارج بمعية

زكرياء طبعا ، الذي وجد في ابراهيم و خديجة حنانا دافقا هو في أمس الحاجة إليه ، و ارتبط بهما ارتباطا غريبا ، لم يأبه معه ذو الخمسة أعوام لفراق أهله و لم يتأثر لفقدانهم ، بل اندمج مع أسرته الجديدة و كأنه تربى في أكنافها .

مرت الأيام و الشهور و السنين ، و لا أحد يسأل عن الطفل زكرياء ، فقد أصبح فردا محبوبا مرغوبا في أسرته هذه ، بحيث أغدقت عليه من حنانها و عطفها ما أنساه ذكريات الماضي المؤلمة ، و لعل تعاملهم له هو ما شجعه إلى جانب ذكائه على متابعة الدراسة بتفوق و تميز قل نظيرهما .

بعد سنتين أنجبت خديجة بنتا جميلة اختارت لها اسم غيثة ، فغمرت الفرحة الأسرة و سادت البهجة المكان ، و كانت فرحة زكرياء و سعادته أكبر من الجميع ،إذ أصبحت له أخت في نظره ، تملأ البيت بهجة و حبورا ، يلاعبها و تؤنسه ، و لم يشعر قط أن المولودة الجديدة أخذت من حبهما و عطفهما عليه شيئا ، بل بالعكس ازدادت و ازداد معها الحب و المنى 

و السعادة .

كانت قد مرت على هذه الأحداث المؤلمة ما يقرب من ستة أعوام ، كانت خلالها الأسرة تزور المغرب في صيف كل عام ، و كان أخوف ما يخيفها أن يظهر من يطالبهم باسترداد زكرياء ، لا لأنهم سيمتنعون من تسليمه إلى أهله ، و لكنهم لن يطيقوا لفراقه صبرا ، كما لن يطيقه هو أيضا ، و قد بلغ به تعلقه بابراهيم و زوجته إلى أن أفصح لهما غير ما مرة أنه لن يفارقهما حتى لو ظهر أبواه البيولوجيان .

مرت الأيام سريعا ، و طوى النسيان تلك الذكريات المؤلمة ، عاش أفراد الأسرة الأربعة حياة مستقرة لا شيء يعكر صفوها ، كل أفرادها منضبطين للقيم  الإسلامية ، لم يتأثروا بحضارة الغرب ، بل ظلوا محافظين على هويتهم المغربية الأصيلة .

كم كانت فرحة الأسرة كبيرة لما حصل زكرياء على شهادة الباكلوريا بتميز مستحق ، فاق فيه أقرانه ، مما جعل ابراهيم و زوجته يتفاخران به و يشجعانه على تحقيق رغبته في الالتحاق  بكلية الحقوق .

بعد خمس سنوات من الدرس و التحصيل تخرج زكياء برتبة محامي و بميزة مشرفة شهد له بها أساتذته ، سرت الأسرة غاية السرور و أقامت له حفلا يليق بمقامه .

فتح له مكتبا بنفس المدينة و آل على نفسه أن يدافع عن  حقوق العمال المهاجرين ، ليرفع عنهم كل أنواع الظلم 

و العنصرية التي قد يتعرضون لها .

و هكذا ذاع صيته ، و أصبح من المحامين المرموقين ، 

خلال عامين جمع له السيد ابراهيم مبلغا كبيرا من المال الذي كان يدخره له ، بعد أن آل على نفسه ألا يأخذ من مال زكرياء شيئا و لو أن زكرياء كان يدفع له على راس كل شهر ما حصل

عليه من أموال ، و لا يحتفظ لنفسه إلا بالقليل ، و رغم ذلك فقد كان ابراهيم قنوعا لا يساوره طمع بل كان يخطط ليؤمن لزكرياء مستقبله .

عند زيارة الأسرة إلى المغرب ، اشترى ابراهيم منزلا بمدينة مراكش و سجله باسم زكرياء ، و جهزه بكل الآثاث الضرورية و غير الضرورية ، ليكون جاهزا لاستقبال عروسة زكرياء مستقبلا ، فعل كل هذا خلال إجازته و دون علم زكرياء ، إذ كان يريد أن يفاجئه في الصيف القادم عند زيارتهم جميعا لأرض الوطن .

عادت الأسرة إلى الخارج ، و استمر ابراهيم في ادخار كل أموال زكرياء ، و لما حان وقت السفر إلى المغرب ، استشار السيد إبراهيم زكرياء في شأن الزواج ، فوجد قبولا لدى الشاب الطموح ، و اتفقا على أن تكون العروس من المغرب ، بنت تقية زكية على جانب من الخلق الفاضل ذات حسن 

و جمال تنحدر من أسرة محافظة ، فأشارت عليهما خديجة زوجة إبراهيم أن هذه الشروط التي يرغبون أن تكون في زوجة  زكرياء لن تتوفر إلا في بنات القرى ، أما المدن في أيامنا هذه فقلما تجد فيها هذا النوع الذي ترغب فيه الأسرة .

و هكذا عقدوا العزم على البحث عن عروس من بنات القرى عند زيارتهم للمغرب .

وصلت العطلة و جاءت الأسرة بكاملها إلى المغرب، و بعد أن استراحوا من عناء السفر ، أخذت الأسرة زكرياء إلى بيته الجديد ، و كانت مفاجأة سارة بالنسبة له ، بحيث لم يصدق ما تراه عيناه ، خصوصا لما علم أن إبراهيم ساهم بقدر إضافي على القدر الذي جمعه من أموال زكرياء ، إلى هذا

الحد لم يستطع زكرياء كبت مشاعره ، فارتمى في أحضان والديه بالتكفل و ذرفت عيناه دموع الشكر و الامتنان ، أن حباه الله بهذه الأسرة الكريمة الفاضلة .

في نفس اليوم ، استضاف إبراهيم أحد أصدقائه الأوفياء لوليمة العشاء ، قصد استشارته في أمر زواج زكرياء ، فلم يزل إبراهيم يعدد مناقب العروسة التي يريدها لابنهما حتى تذكر الضيف يوسف فتاتا سبق و أن رآها في زيارة لأخت له بأحد المداشر المتواجدة بمنطقة الحوز قريبا من أوريكا ، فاستوقف يوسف السيد إبراهيم و لم يتركه يتمادى في الكلام ، فأخبره عن أمر الفتاة التي تسكن بجوار منزل أخته ، و التي يتحدث عنها أهل المدشر بكل خير ، سبق و أن رآها هذا الصديق يوسف في بيت أخته في إحدى المناسبات ، فتاة جميلة محجبة ، عليها سمة الحياء و الوقار لا ترفع بصرها أمام الغرباء .

استحسن إبراهيم رأي صديقه ، و لاحظ علامات الرضى على محيا زكرياء ، فقرر الجميع أن يدلهم يوسف على المدشر و أن ينزلوا ضيوفا عند أخته ليتسنى لهم رؤية فتاة الجيران التي طالما حدثهم عنها .

في صباح اليوم الموالي ،استقلوا سيارتهم و قادوها نحو الوجهة المقصودة يدلهم يوسف على الطريق ، وصلوا عند منتصف النهار ، استقبلتهم أخت يوسف استقبالا حارا ، 

و أنزلتهم في غرفة الضيوف و قدمت لهم الشاي و الحلوى

في انتظار وجبة الغذاء التي غالبا ما تكون طاجين لحم 

و خضر و هي الوجبة الشهية التي لا يخلو بيت منها خصوصا في هذه المنطقة .

افتتح يوسف الحديث مع أخته عن بنت جيرانها و هو يتعمد أن تسمع الأسرة شهادة أخته في هذه الفتاة ، أطلعتهم عن سيرتها مما زاد في شوقهم لرؤيتها ، دبرت المرأة حيلة بحيث طلبت من جارتها أن ترسل إليها بالفتاة لتعينها على خدمة

الضيوف ، و هي عادة مألوفة بين الجيران بحيث يساعد بعضهم بعضا متى طلب منهم ذلك .

و لكن في الحقيقة لم يكن هناك عبء على المرأة في خدمة ضيوفها و لكنها اغتنمتها فرصة ليرى الضيوف الفتاة عن كثب  .

جاءت الفتاة تمشي على حياء ، و توجهت مباشرة إلى المطبخ لتنفيذ أوامر جارتها دون أن تلتفت بنظرها لترى النزلاء بغرفة الضيوف ، تعمدت ربة البيت أن تنادي عليها لتحمل مستلزمات الشاي من أمام الضيوف ، دخلت الفتاة و بادرت الجميع بتحية الإسلام دون أن ترفع بصرها لترى من في الغرفة ، ما أن دخلت البنت حتى أحست خديجة إحساسا غريبا ، جعلها تنجذب نحو الفتاة ، و تطيل النظر إليها ، بل لم تكتف بذلك إذ قامت تتبعها نحو المطبخ لتشبع فضولها مما أحست به .

تناولوا وجبة الغذاء ، و أرسلوا المرأة إلى بيت جارتها تستأذنها في زيارة الضيوف لها ، فوجدت لديها القبول التام 

و كيف تمتنع من الضيافة و هم أهل كرم .

استقبلتهم الجارة و أنزلتهم في غرفة الضيوف على عادة المغاربة في كل المدن و القرى ، و لسانها لا يفتر عن الترحيب ، لأنها تعرف أن ذلك يزيدها قدرا في نظر جارتها ما دامت هي من دلتهم عليها ، و بينما هم جلوس يتجاذبون أطراف الحديث من هنا و هناك ، نادت الجارة زينب على الفتاة لتأتيهم بالشاي و ما يصحبه مما أعدته سابقا ، فما كاد

ابراهيم و زوجته يسمعان اسم الفتاة سلمى حتى علت ملامحهما مسحة امتزجت فيها الدهشة بالفضول و تبادل الزوجان نظرات التعجب و ساد الغرفة صمت رهيب ، الرؤوس مشرئبة و الأعين زائغة تنتظر دخول سلمى ، و ما هي إلا لحظة مرت على الزوجان كأنها ردح من الزمان حتى دخلت سلمى تحمل المطلوب مطأطأة الرأس استحياء من هؤلاء الغرباء ، وضعت ما تحمله أمام الجميع و دلفت عائدة إلى المطبخ ، و لكن حيرة الزوجان لم تبدد بعد ، فطلبت خديجة من الجارة زينب أن تدعو سلمى للجلوس معهم ، فهي ترغب أن تجلسها بجانبها ، فتم لها ذلك .

أخذت خديجة تطيل النظر إلى سلمى و تتفحص ملامحها إذ كانت تشبهها كثيرا و قد لاحظ الحاضرون هذا الشبه بينهما ، مما دفع بخديجة و دون تردد أن تسأل زينب عن ابنتها هذه ، بعد أن أطلعتها على سبب مجيئهم ، و هو أنهم يرغبون في طلب يدها لزكرياء ، هنا بدأت زينب تحدثهم عن القصة الغريبة التي وقعت في زمن ، مضى عليه أكثر من عشرين سنة ، أخبرتهم أن سلمى ليست ابنتها ، قائلة أنا امرأة عاقر ، لم أنجب طيلة حياتي ، و أن لي أختا في أحد المداشر على مشارف أوريكا ، و كانت أختي هذه حين وقوع الفاجعة تبيع خبزا يسمى  " تفرنوت " للمصطافين على ضفاف الوادي ، 

و في ذلك اليوم كان بصحبتها ابنها الصغير الذي كان يلعب مع سلمى ، و لحسن حظها في تلك اللحظة التي هاجمتهم المياه كانت قريبة من الطفلين ، فحملتهما بسرعة خاطفة 

و صعدت بهما الجبل تجري و تصرخ ، و استطاعت أن تنقذهما و نفسها من الطوفان . 

فغر إبراهيم و زوجته خديجة ثغريهما و اتسعت مقل أعينهما و هما يستمعان و يتتبعان الأحداث بانتباه شديد و قلبيهما يخفقان ، و يومئان للجارة لتتابع القصة ، و هنا أخبرتهم أن أختها احتفظت بسلمى الصغيرة في بيتها ظنا منها أن والديها قد ماتا غرقا ، و بعد أيام من الحدث ، سلمتني أختي هذه البنت اليتيمة لأتكفل بها و أعتني بتربيتها و لتؤنس  وحدتي لأنني عاقر كما سبق و قلت لكم ، كانت في الأيام الأولى تشعر بحزن شديد على فقدان والديها و لكن حمدت الله الذي ساقها إلي لأعتني بها و لتملأ علي البيت أنسا خصوصا لما توفي زوجي و تركني و إياها لوحدنا ، و كنت من حين لآخر أسألها عن اسم أبيها و أمها فكانت تقول لي أن اسم أبيها هو إبراهيم و اسم أمها خديجة .

إلى هذا الحد لم يستطع الزوجان صبرا ، فقاما و احتضنا سلمى و هما يقولان بلسان واحد :

" إنها ابنتنا سلمى فأنا أبوها إبراهيم و هذه أمها خديجة ، 

و قد فقدناها في ذلك الطوفان ، و ظننا أن السيل جرفها لأننا لم نعثر لها على أثر آنذاك " .

تأثر كل من في الغرفة لهذا المشهد العجيب ، و طفق  الجميع يبكي ، بينما الجارة أخت يوسف تزغرد من شدة الفرح و قد جمع الله شمل الأسرة .

حاول إبراهيم تعميق البحث حتى يتأكد و يطمئن قلبه ، بينما زوجته خديجة في عناق حار لابنتها سلمى و عاطفة أمومتها لا تحتاج إلى مزيد من الدلائل ، فقد تبين لها بما لا يدع مجالا للشك أن سلمى هذه هي ابنتها إذ حدثها إحساسها بذلك حتى قبل أن تسمع القصة نظرا للشبه الكبير بينهما .

سأل إبراهيم المرأة عن نوع اللباس الذي كانت ترتديه سلمى  يوم تسلمتها من أختها ، فأخبرته فورا أنها كانت تلبس تنورة وردية اللون و جزمتين بيضاويتين و جوارب بيضاء .

التقط إبراهيم  محفظته و أخرج صورة لسلمى كان قد التقطها لها في ذلك اليوم ، فكانت المفاجأة كبيرة ، إذ هي بنفس اللباس الذي وصفته  السيدة زينب ، و التي أكدت لهم بعد تفحصها للصورة أنها هي نفسها .

تدخلت خديجة و أسكتت الجميع معلنة أن لديها دليلا  قاطعا لا مجال للشك بعده ، فهي تعرف أن في كتف ابنتها سلمى علامة وحم ، و لدت بها ، فذهبت بها هي و أمها بالتكفل 

و جارتها إلى غرفة أخرى حيث أزلن اللباس عن كتفها 

و تعجبن إذ رأين العلامة بارزة على كتفها ، فارتفعت أصواتهن

بالتهليل و الزغاريد ، و هكذا شاءت حكمة الله أن تجمع شمل الأسرة بعد هذه المدة الطويلة و بعد أن يئسوا من اللقاء بها .

أما زكرياء فقد كان يتتبع الأحداث باستغراب ، و يعود أحيانا لملاعبة غيثة الصغيرة التي كانت تتعلق به كثيرا ، و لا تفارقه إلا نادرا .

وهكذا تم لم شمل العائلة ، و بقدر سعادتهم الطافحة بإيجاد سلمى حية ترزق ، بقدر تعجبهم من الأقدار التي ساقتهم إلى هذه القرية النائية حيث ابنتهم التي ظنوها فقدت للأبد .

 جلست سلمى بين أبيها و أمها و عيناها محمرتان من شدة البكاء ، و هي تقبل أمها تارة و أباها تارة أخرى ، و ترتمي في أحضانهما و كأنها تسترجع بعضا مما علق بذهنها من ذكريات طفولتها .

طلب إبراهيم من زينب أن تأتيه بذبح أقرن سمين من أحد الجيران مهما كان ثمنه ، فأقاموا ليلتهم في أكل و شرب 

و حمد و تهليل ، و أخذ كل واحد منهم يسرد الأحداث التي مرت به ، إلا ما كان من أمر زكرياء فقد تعمد إبراهيم ألا يذكر شيئا منه لئلا يحرج زكرياء ،و تفاديا لفتح جراح طواها النسيان.

 شكر الحاضرون  زينب على رعايتها و حسن تربيتها لسلمى ، كما أخبرتهم زينب أن سلمى كانت ترفض الزواج من الذين تقدموا لخطبتها و كأنها كانت تعلم أن الله سيجمعها بوالديها ، و ها قد تم ذلك و الحمد لله .

اقترح إبراهيم و زوجته على زينب المرأة التي ربت سلمى أن تذهب معهم إلى مراكش و تعيش في بيتهم هناك ، و وعدها إبراهيم بتخصيص مبلغ مالي يرسله إليها على رأس كل شهر ، و هي مناسبة لتحرس المنزل في غيابهم ، وافقت زينب 

و طلبت مهلة حتى تهيئ أمورها و تحضر نفسها للرحيل .

استحسن الحاضرون الفكرة و دعموا اقتراح إبراهيم ، إذ هي الحل المرضي حتى لا تفترق سلمى عن مربيتها و قد عاشت معها مدة طويلة .

في اليوم الموالي ، استقلت الأسرة بكاملها السيارة عائدة إلى مراكش ، إلا  يوسف الذي تطوع عن طيب خاطر و قرر أن يستقل أي وسيلة نقل أخرى ليعود هو كذلك إلى أسرته في مراكش حتى لا يحدث ازدحاما معهم في السيارة مادامت سلمى قد أخذت مكانه .

قام إبراهيم بكل الاجراءات الإدارية لإعادة تسجيل ابنته التي تم إيجادها بعد أن ظن الجميع أنها فقدت .

انفرد إبراهيم بزكرياء ، و طلب وجهة نظره بصراحة في الزواج من ابنته سلمى ، إذ كان يريد أن يعرف رأيه حتى لا يحشره في أمر لا يرغب فيه  ، خصوصا و هو يعلم أن زكرياء لا يعصي له أمرا .وافق زكرياء على أن يتزوج سلمى ، فهو كذلك قد أعجب بأخلاقها و جمالها ، و هو أولى الشباب بها 

و في نفسه أن يعوضها ما فاتها من حنان و عطف و مودة 

و حب كالذي منحته إياه أسرتها و أكثر .

تم عقد القران و تمت مراسيم الزفاف في جو عائلي تسوده البهجة ، و كانت زينب مربية سلمى أكثرهم حماسا ، لا تفوتها صغيرة و لا كبيرة مما يسعد سلمى و يرفع مقامها إلا و نبهت إليها ، و هو الأمر الذي أسعد الأم الحقيقية لسلمى ، و كيف لا وهي ترى الجميع يهتم بسلمى و يوفر لها كل ما يسعدها 

و ينسيها قساوة الماضي و فراق الأهل .

انقضت الإجازة الصيفية ، و غادرت الأسرة الكبيرة 

و الصغيرة المغرب ، تاركين خلفهم زينب ببيتهم في مراكش ، بعد أن وفروا لها كل ما تحتاجه و بعد أن وعدها إبراهيم بمرافقتهم إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج في العام المقبل .

فرحت زينب غاية الفرح ، و صلت ركعتين حمدا لله و شكرا له سبحانه و تعالى أن جمع هذه الأسرة الكريمة بابنتها ، و أن أخرجها هي كذلك من ضنك العيش في قريتها .


      أعجب بها و نقلها بتصرف  ( زايد وهنا )

ليتها اكتملت

                     👍ليتها اكتملت👍


            كم كانت فرحة المغاربة كبيرة بتأهل المنتخب الوطني إلى كأس العالم الذي ستجرى أطواره في شهر نونبر المقبل ، حيث انتشى الجميع بهذا الانتصار التاريخي ، و لا حديث اليوم في البيوت و المقاهي و المجالس إلا عن هذا الإنجاز العظيم ، و لا غرو في ذلك فكل مغربي غيور إلا و يريد أن يرى علمه يرفرف عاليا في المحافل الدولية ، فذاك من الروح الوطنية التي تسري دماؤها في عروقنا و التي نعتز بهاونفتخر .

و الحقيقة كانت هذه الفرحة ستكون أكبر و أعظم لو رممنا البيت من الداخل ، و سيكون سرورنا

دائما و صادقا لا يشوبه نقصان لو اهتممنا بالكثير من الأولويات و على رأسها العنصر البشري . 


👍 سنكون أكثر ابتهاجا لو أهلنا التعليم و رفعنا من مستواه قبل أن نتأهل الى كأس العالم .


👍 سنكون أشد فرحا لو أهلنا مستشفياتنا 

و جهزناها لتستقطب المرضى قبل أن نتأهل إلى كأس العالم .


👍 كم سيكون انتصارنا باهرا لو انتصرنا على البطالة و أهلنا شبابنا قبل أن نتأهل إلى كأس العالم .


👍 سنكون أكثر سرورا لو أهلنا الصناعة و الفلاحة 

و التجارة و الصيد البحري ، لينعم المواطن بالعيش الرغيد ، قبل أن نتأهل إلى كأس العالم .


👍 آه كم سنكون في قمة السعادة لو أهلنا المارستانات لنجمع فيها المختلين عقليا و نخرجهم

من الشوارع ، قبل أن نتأهل إلى كأس العالم .


👍 سنكون أشد امتنانا لو أهلنا دور الرعاية 

و وضعنا فيها أفواج المتسولين قبل أن نتأهل إلى كأس العالم .


👍 كم سنكون فخورين لو أهلنا العدل ليقتص من

المفسدين قبل أن نتأهل إلى كأس العالم .


👍 سنكون سعداء لو جعلنا كرامة المواطن فوق

كل اعتبار ، و أهلناه ليكون صالحا مصلحا قبل أن

نتأهل إلى كأس العالم .


آه لو أهلنا هذه الأمور و غيرها كثير مما يحرك عجلة التنمية ببلدنا ، و يسعد الناس لكنا سنذهب إلى كأس العالم و نحن في قمة الفخر و غاية السعادة ، و سوف لن نقتصر على كرة القدم بل سنكون مؤهلين كذلك في عالم التكنولوجيا و في العلوم  والطب بشتى صنوفهما و الآداب و الفقه بجميع فروعهما ، فنبتكر و نخترع  و ننتج 

و يحسب لنا ألف حساب بين الأمم في كل التظاهرات سواء الرياضية منها أو غيرها .

و لكن للأسف هي فرحة جزئية و آنية ستنتهي بانتهاء اللعبة ، و تبقى دار لقمان على حالها غارقة في تخلفها و معاناتها تنتظر أربع سنوات لتفرح فرحة عابرة بالتأهل مرة أخرى إن هي تأهلت أصلا .


     ⚽  وجهة نظر شخص محب لكرة القدم  ⚽


دار الغرور

      

     👌  فمن يغتر بالدنيا فإني

                        لبست بها فأبليت الثيابا 👌


           إذا كنت ممن لبس من الدنيا و أبلى الثياب كما جاء في قصيدة  " سلوا قلبي " لشاعرها أحمد شوقي ، و غصت متأملا في استجلاء كنه هذه الدنيا الفانية ،  و أمعنت النظر في تعاقب أزمنتها و استطلعت أحوال الأقوام التي مرت بها 

و غادرتها ، و تبينت من خلال ما تراه و تعيشه من تقلبات أحوالها بين عافية و سقم ،بين فقر و غنى، بين قوة و ضعف ، بين وفاء و غدر ، بين وصال 

و هجر ، بين صلاح و فساد ، بين حياة و موت ، أدركت يقينا أن هذه الدنيا في أحسن أحوالها شبيهة بالسراب ، لأنها قليلة السرور ، كثيرة الشرور ، دائمة الغرور ، سريعة المرور .

أما في أسوأ أحوالها كما نرى في عصرنا هذا حيث تجرد الإنسان من إنسانيته التي فطره الله عليها ، فاستبدل الفضائل بالرذائل ، و عمت المآسي ، 

و ملئت القلوب غيضا ، و استشرى الفساد و رفع الحياء ، فلا رغبة للعاقل فيها و لا لذة له في عيشها .

المؤمن الكيس الوقور في أيامنا هذه لا يشعر بالرضى و الحبور ، مما آلت إليه الأمور من الخلاعة 

و السفور ، إذ لا يرى من تصرف الغالبية إلا الفسق

و الفجور ، و كلما تقدم به العمر  لا يزيده إلا المقت و النفور ، ينتظر على مضض ساعة العبور ، و لا يغبط أحدا بقدر غبطته أهل القبور ، فالدنيا بالنسبة له مستنقع لا مكان فيه للمقهور ، لذلك يحاول جاهدا أن يساير المقدور ويتجنب المحظور ، حتى إذا نقر في الناقور ، و حانت ساعة البعث و النشور ، أوتي بيمينه كتابه المسطور ، فيستبشر خيرا بالوعد المذكور ،  و قد نال الفضل من الله الغفور .

الجاهل المغرور بالدنيا و زخرفها ، منساق وراء سرابها ، يسبح في مستنقعها ، لا يفرق بين حلالها و حرامها ، يمني النفس بدوامها ، و لا يدرك حقيقة أمرها إلا و هو ينزع النزع الأخير منها ، يسترجع حياته و سرعة زوالها ، و كأنه ما لبث فيها إلا  عشية أو ضحاها ، حينها تتراءى له تفاهتها ، يستحضر ما قدمت يداه فلا يرى إلا سوادها ،  فتتقد في دواخله نار الحسرة و الندم على ضياعها و لكن أنى يجدي الندم و قد فات أوان إصلاحها . 

 

          اللهم نسألك يا ذا الجود و الإحسان ، 

و نحن على مشارف شهر رمضان ، شهر الرحمة 

و الغفران ، ألا تجعل الدنيا اكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا إلى النار مصيرنا ، وأجعل الجنة هي دارنا و قرارنا .


   💼   خاطرة ارتجلها و كتبها و نقلها إليكم الراجي عفو ربه  زايد وهنا  بالقرب من مقبرة   💼

المفتاح المفقود

 🗝  المفتاح المفقود  🗝


            أول ما بدأت أعي ما حولي ، وقر في نفسي حب جدي و جدتي طيب الله ثراهما ، فمنذ تلك السن المبكرة تعلقت بهما تعلقا فاق تعلقي بوالداي ، حتى صارت أسعد أوقاتي تلك التي أقضيها في حضنهما أو بالقرب منهما .

كان جدي و جدتي لا يفترقان ، يجلسان بمحاداة بعضهما 

و قليلا ما ترى أحدهما منفردا عن شريكه ، و لا يكون ذلك إلا لضرورة كوضوء أو صلاة .

كنت كلما رجعت من المدرسة ، أطوي الطريق جريا لأرتمي في أحضانهما ، و أبدأ في سرد كل ما لقننا إياه المعلم من آيات قرآنية و أناشيد ، فكانا رحمهما الله يصغيان لما أقول رغم تفاهته الصبيانية و هما يربتان على ظهري ، مبديان إعجابا مبالغا فيه لإرضائي و تشجيعي على الدرس 

و التحصيل ، و في المساء أنتظرهما بفارغ الصبر حتى ينهيا صلاة العشاء فأرتمي في حضن جدتي لتسمعني حكاية جديدة أو تتمم حكاية الأمس التي غالبني النعاس و حرمني متعة أحداثها الشيقة ، و لعل هذا كله ما جعلني أرتبط بهما ارتباطا ، يغنيني عن بقية أفراد أسرتي بما فيهم أبي و أمي .

كنت رغم صغر سني ألاحظ الفرق بين العلاقة التي تربط جدي بجدتي و بين تلك التي تربط أبي بأمي ، فتجدني أقارن و أسائل نفسي دون أن يهتدي عقلي الصغير إلى جواب .

لماذا لا يجلس أبي بالقرب من أمي كما يفعل جدي بجدتي ؟.

لماذا لا يبتسم أبي لأمي أو تبتسم له هي كما يفعل جدي 

و جدتي لبعضهما ؟.

لماذا جداي متفاهمان و ما حدث يوما أن تجادلا  أو رفع أحدهما صوته على الآخر ، في حين أن والداي كثيرا ما يتجادلان بصوت مرتفع يوحي للسامع أن أحدهما لا يطيق الآخر ، و لا يكن له أدنى تقدير ؟.

لماذا والداي لا يتحدثان معي و يسلياني كما يفعل جداي ؟.

لماذا جدي و جدتي لا يمتلكان الهاتف المحمول ، بينما أبي 

و أمي و إخوتي الكبار لكل منهم هاتفا يتصفحه في صمت 

و لا يحيد بصره عنه إلا نادرا ، بل منهم من يتصفحه و هو يأكل ؟.

لماذا أبي و أمي ليسا بنفس سعادة جدي و جدتي رغم امتلاكهما لكل وسائل الراحة و الرفه ؟.

كانت هذه الأسئلة و غيرها بمثابة مطارق تدق في رأسي ، 

و تكبر معي يوما بعد يوم ، و لكن في أحد الأيام قررت أن أطرحها على جدي ، فهو لا يتضجر من أسئلتي عساني أشفي غليلي منها و أطوي صفحتها التي باتت تؤرقني .

كان الفصل صيفا ، و لا يحلو التنزه إلا وقت الأصيل حيث تنفطر الحرارة ، و يهب نسيم عليل ينسينا لفح الضحى ، طلبت من جدي أن يصاحبني إلى الحديقة المجاورة لبيتنا ، استحسن الفكرة إذ كان هو أيضا في حاجة لمثل تلك الفسحة .

اقتعدنا أريكة في مكان ظليل ، أخرج جدي سبحته التي لا تفارقه و طفق يمرر حباتها بين سبابته و إبهامه ، يحمدل تارة و يسبحل أخرى بصوت خافت ، انتظرت حتى مرر آخر حبة من السبحة ، فاستوقفته قائلا :

 " جداه ، أراك و جدتي تنعمان بالهدوء و السكينة ،متفاهمان ، منسجمان ، تغمركما السعادة رغم أنكما بلغتما من الكبر عتيا ، و لا تمتلكان ما يمتلكه والداي من أسباب الرفه التي من المفروض أن تجعلهما أكثر سعادة و سكينة " .

نظر إلي نظرة المستغرب ، إذ لم يكن يتوقع أن يصدر هذا الاستفسار من طفل لم يتجاوز عمره الثالثة عشر ،  اعتدل في جلسته و هو يضمني إليه بيد و يربت بالأخرى على ركبتي ، صمت برهة و كأن لسان حاله يقول لم تعد ذلك الصبي اللعوب ، فقد بلغت من النضج و الذكاء ما يمكنك من فهم بعض الأمور في الحياة ، ضمني إليه في حنان مرة أخرى 

و قال :

" يا بني لا تقاس السعادة بما يمتلكه الإنسان ، فقد عشت 

و جدتك عمرا طويلا في زمن لم نكن نملك آنذاك منزلا فخما و لا سيارة فارهة و لا ملابس فاخرة و لا هواتف و لا أي شيء مما جاد به زمانكم من المخترعات ، و لكن كنا نملك مفتاح السعادة ألا و هو القناعة .

 عشنا حياة بسيطة يغشاها الحب الصادق و التمسك بالقيم النبيلة ، من احترام و صبر و تسامح و تعاون ، كنا قانعين 

و مقتنعين بما لدينا و لا ننظر إلى ما في يد الآخرين ، و تلك

القناعة أكسبتنا سعادة لا تضاهيها سعادة .

أما أنتم فقد استبدلتم تلك القيم السامية بما جد في عالم التكنولوجيا ، و أصبحتم تتنافسون على الثراء و امتلاك مثل ما يمتلكه الأثرياء رغم محدودية طاقاتكم المادية ، فضيعتم بهذا التهافت على أنفسكم أسباب السعادة ، و أصبحتم تركضون ركض الوحوش في البرية تطاردون الماديات فغابت عنكم الروحانيات ، إذ استشرى الطمع و الجشع و رمى بالناس في براثين الفساد ، فضاع الصدق و العفة و الحياء 

و الاحترام ، و فقدت لذة العيش ، فعمت الكآبة و التضجر 

و السأم ، حتى أصبح الزوج لا يطيق زوجته و لا هي تطيقه ،

و لا الأبناء ينصاعون لأوامر أبائهم و لا الأباء أصلا يهتمون بأبنائهم لأن طوفان العصر جرفهم و انساقوا وراءه كمن يطارد خيط دخان .

أعرفت الآن يا بني سبب شقاء أجيالكم ؟ "

أومأت برأسي موافقا و مؤيدا ، و سكتت برهة أسترجع فيها كل ما قاله ، و تزاحمت الأفكار في ذهني ، لقد اكتشفت للتو أمورا كانت غائبة عني و قررت في نفسي أن تكون هي موضوع الإنشاء الحر الذي أمرنا المعلم بإنجازه .


                💼  بقلم   زايد  وهنا  💼

ماذا تنتظرون

            🕭  ماذا تنتظرون ؟ 🕭


☚ ارتفاع مهول في أسعار المحروقات .

☚ غلاء مخيف في ضروريات العيش .

☚ فرص الشغل قليلة جدا تكاد تنعدم .

☚ قطاع التعليم في تدني مستمر لأسباب عديدة أهمها الفهم الخاطئ لحقوق الإنسان ، مما نتج عنه  الفوضى و التسيب و الانحلال الخلقي في أوساط التلاميذ .

☚ ضرب قدسية التعليم و تجريد رجل التعليم من هيبته مما أحبط العزائم .

☚ التلاعب بأموال صناديق التقاعد ، و عدم محاسبة المتلاعبين .

☚ حل الأزمة على حساب صحة رجل التعليم ، 

    و ذلك بتمديد سن التقاعد . 

☚ قطاع الصحة يعانق الحضيض ، فالمرضى       كثيرون والمستشفيات قليلة ، تفتقر للتجهيزات    الضرورية ، تسودها اللامبالاة و تدني الخدمات .

☚ مصحات و مختبرات خاصة تغتني على حساب المواطن دون رقيب .

☚ الانصياع لإملاءات صندوق النقد الدولي ، الذي أثقل البلد بالديون .

☚ إعلام مستعبد و مستبعد عن دوره ، يشجع

     التافهين و يجعل منهم قدوة للشباب .

☚ مصير ثروات البلاد مجهول .

☚ تبذير الأموال الطائلة على الكماليات التوافه .

☚ التقشف و رفع اليد على تمويل الأساسيات .

☚ انعدام الشفافية و المحاسبة . 

☚ غلو في فرض الضرائب على كل صغيرة 

      و كبيرة . 

☚ تدني مستمر في خدمات كل القطاعات .

☚ تعقيد المساطر الإدارية عند تقديم الخدمات .

☚ الشطط في استعمال السلطة .

☚ الرشوة و المحسوبية و الزبونية هي العملة     الرائجة .

☚ أحكام قضائية غير عادلة في بعض النوازل للأسباب المشار إليها في النقطة السابقة .

☚ استعمال سيارات الدولة في مهام شخصية .

☚ عدم احترام أوقات العمل في الإدارات ،

و الاستهتار بمصالح المواطنين .

☚ استفحال ظاهرتي التشرميل و الإجرام .

☚ أعمال شغب مجانية في الملاعب و الشوارع .

☚ عقوبات مخففة يليها العفو عن المجرمين ، في حين تكون مشددة على معتقلي الرأي .

☚ تشجيع التفاهة و التافهين من غير منفعة .

☚ تهميش المجدين الغيورين و إحباط هممهم .

☚ انتشار ظاهرة التسول بشكل مخجل .

☚ النصب و الاحتيال بددا الثقة لدى المواطن في جميع العمليات و المعاملات التي يريد الاقدام عليها .

☚ عدم الاهتمام بالمختلين عقليا و ذلك بوضعهم

في مارستانات لرفع الأذى عنهم و عن المواطنين .

☚ أغلب حوادث السير يرجع الى بنية الطرقات 

و تهور بعض السائقين خصوصا أصحاب الدراجات النارية من الشباب .

☚ بعض المناطق مهمشة لا تسترعي انتباه أحد 

     و كأنها لا تنتمي لهذا البلد .

☚ أعداد كثيرة تموت يوميا في عرض البحر .

☚ و ☚ و ☚ و ☚ و ☚ و ☚ و ☚ ....

هذه و غيرها كثير تجعل الشعب في غليان و قلق دائمين ،  فالمواطن الغيور يلاحظ و ينتقد و يندد و يقترح و لا شيء يتغير في الواقع ، بل يزداد الوضع سوءا ، و لا من يحرك ساكنا من المسؤولين. ترى ماذا ينتظرون ؟ فالأوضاع المزرية الحالية تدق ناقوس الخطر ، و لا مجال بعد للاستهتار 

أو التأجيل فكل يوم يمر إلا و يزيد الوضع احتقانا و ينفذ صبر المواطن  ، مما  ينذر لا قدر الله بكارثة قد تعصف بأمن البلد ، و الله نسأل أن يلطف بنا ، 

و يلهم الجميع سبيل الرشاد لتدارك الموقف و انقاذ ما يمكن إنقاذه .

قاعة الانتظار

 


                 📆    قاعة الانتظار   📆


          سحبت التذكرة من الجهاز القابع بباب التعاضدية فإذا هي تحمل رقم واحد و ثلاثين ، رغم أنني وصلت باكرا لأكون من الأوائل ، فقد سبقني ثلاثون منخرطا ، كانوا جالسين ينتظرون ظهور أرقامهم على شاشة الشباك لتقديم أوراق المرض التي يتأبطونها ، منهم المتقاعد الذي أنهكته سنوات العمل الطويلة التي قضاها في مهنة المتاعب وقد أخذت من صحته و بصره الكثير و لم تدع له إلا قليل قوة يكابد بها مشاكل الحياة ، و منهم الذي ما زال يمارس المهنة  وقسمات وجهه توحي بثقل الهموم التي تكالبت 

و تتكالب عليه .

 جلست كغيري  أنتظر دوري ، استرق النظر من حين لآخر إلى الشاشة و كأنني أستعجلها ، فورائي مآرب أخرى يجب القيام بها قبل أن يدركني وقت العمل لحصة الزوال .

و بينما أنا كذلك استرعت انتباهي سبورة معلقة

على الحائط بالقرب من مكان جلوسي ، رفعت بصري نحوها و شرعت في قراءة الإعلانات الملتصقة بها عساها تحمل جديدا ، و لكن لا جديد

يذكر فيها ، غير أن إحداها أثارت حفيظتي ، تلك

التي تخص الوثائق التي ينبغي الإدلاء بها من قبل الأرامل عند وفاة أزواجهن المنخرطين للاستفادة من المنحة التكميلية التي تسلمها لهن التعاضدية 

بعد توصلها طبعا بالوثائق كاملة غير منقوصة ، لكن الغريب في هذا أن هذا الملصق الذي به هذا الإعلان يحمل من الوثائق المطلوبة ما لا تستطيع

الأرملة و أبناؤها توفيره ، فهي عبارة عن لائحة طويلة و معقدة لن تجمع إلا بعد وقت طويل    ومشقة كبيرة و جهد مضني ناهيك عن الأموال التي تصرف من أجل الحصول عليها .

تعجبت لهذه المساطر المعقدة التي تثقل كاهل الناس ، و التي تثير قلقهم ، حتى أن بعضهم يفضل ألا يستفيد ما دام الأمر معقدا و عسيرا .

أخيرا و بعد طول انتظار ممل ظهر على الشاشة الرقم واحد و ثلاثون  فقمت متوجها نحو الشباك و أنا أقول في نفسي ، كان الله في عون المنخرط 

يعاني و هو حي ، فإذا مات انتقلت المعاناة إلى  أرملته . 


          💼  بقلم المنخرط   زايد وهنا  💼

  

المرحوم

                         🌷 المرحوم 🌷


           بعض الناس  كالأشجار المثمرة ، تقتات من ثمارها اللذيذة ، و تتفيأ في ظلالها الوارفة ، و تمتع نظرك بخضرتها ، و تستنشق طيب أزهارها ، 

و لا ينقطع عطاؤها حتى بعد موتها ، فجذوعها تصير خشبا فتتحول أبوابا و نوافذ و موائد 

و خزانات و سبورات و كراسي و مكاتب و دعامات لأسقف المنازل ...  .

أما أغصانها اليابسة فتصير حطبا في مدفأة تطهو الطعام و تدفئ المرتعد من البرد و تجمع حولها الأسرة و الأحبة ، فتبعث فيهم دفء المودة ، 

و تفتح شهيتهم للسمر و المذاكرة  .

         فكذلك هو الإنسان الطيب ، متى لازمته حيا 

استفدت من علمه و نهلت من مكارم أخلاقه 

و وجدت فيه السند عند الشدائد ، فترتاح لمجالسته و التقرب منه ، فإذا مات و انقطع عن الدنيا ، لا ينقطع ذكره ، و لا تضيع حكمه ، 

و لا يخلو مجلس من ذكره و الترحم عليه ، بما خلفه من أثر طيب في النفوس ،  بل يصبح حتى بعد موته قدوة لمن يسعى في طلب الإستقامة .

          أما البعض الآخر فلا داعي للحديث عنه

و لا سبيل لتشبيهه بشيء مادام لا شيء .


              💼  بقلب لا بقلم  زايد وهنا  💼