خواطر ميت
بئسا لك من حياة ! لم يعد فيك أيتها الدنيا ما يغري بالعيش ، ظلمة القبر أرحم بكثير من ظلامك و ظلمك ، هنا في القبر أرقد وحيدا حيث لا ضجيج و لا كذب و لا نفاق و لا تهافت على الأطماع ، لا شيء يشغل البال غير حسن الظن بالخالق و الأمل في رحمته و غفرانه .
الآن و بعد فوات الأوان أيقنت أنك أيتها الدنيا فانية كل ما فيك سراب في سراب ، خدعت الأحياء بحضارة زائفة و مغريات لا حد لها و جعلت الناس يتهافتون و يركضون وراء سرابك يحدوهم الجشع و الطمع في تحقيق الثراء ، و فتحت أمام أعينهم سبل الإغراء المحرمة حتى أنهم تجردوا من إنسانيتهم و خالفوا الفطرة و سنن الكون فبات غنيهم إقطاعيا و حاكمهم مستبدا و عالمهم منافقا و عاملهم مخادعا و فقيرهم متملقا ، فانقلبت الموازين إذ أصبحت الرذيلة محمدة و الفضيلة مذمة و فسدت الطباع و استشرى الطغيان و كثر الإجرام
و عم البؤس و الشقاء و رانت الكآبة على قلوب الناس فلم يعد لعيشهم طعم ، و لا لاستقرارهم أمن و اطمئنان ، بل غدوا في
أحلامهم يعمهون غير آبهين بتفاهتك
و سرعة زوالك و لا يوقظهم من غفلتهم
إلا الموت فحين يوارون الثرى يعلمون
حقيقتك كما علمتها أنا الآن في قبري ، فقد تركت كل شيء خلفي و أقبلت على خالقي لا أحمل من زاد سوى العمل
الصالح إن كان لي عمل صالح ، تركت أهلي و أموالي و خلاني و أحلامي
و رجعت كما ولدت خالي الوفاض ، لا أرغب في شيء غير رضا الله ،
تبا لك من دنيا جعلت الناس يغترون
بزيفك ، جعلتهم يتنافسون و يتصارعون على ما سيتركونه خلفهم و يحاسبون على
كل صغيرة و كبيرة اكتسبوها بطرق غير
مشروعة ، هذا التهافت حرمهم لذة العيش و أزال من نفوسهم الخوف من عذاب الله يوم لقائه ، فلا هم عاشوا سعداء و لا ماتوا رحماء .