رجلان من عيار ثقيل

                🔍 رجلان من عيار ثقيل 🔍


         كلما عادت بي الذاكرة إلى بلدتي ، و هزني

الشوق و الحنين إلى أهلها إلا و توالت أمام ناظري

ذكريات حلوة و ما أكثرها ، و لكن أجملها عندي 

تلك التي لها علاقة بالمجال الثقافي ، فالأنشطة الثقافية ببلدتي كانت و إلى وقت قريب منارا

يشع نوره و يسطع بريقه بفضل بعض الجمعيات

التي جعلت تربية الناشئة و تنوير عقولهم أسمى

أهدافها ، و لم تقتصر أدوارها على ذلك بل أخذت

على عاتقها توعية الساكنة بجميع فئاتهم 

و شرائحهم و بمختلف أعمارهم و أجناسهم من خلال تنظيم لقاءات ثقافية توعوية هادفة ، و هذا كله بفضل ثلة من رجالات البلدة المثقفين و الذين تطوعوا بنية صادقة لخدمة الساكنة باعتبارها الرأسمال البشري الذي يساهم في تنمية البلدة .

رغم وجود جمعيات كثيرة و بتوجهات مختلفة ،

إلا أن الجمعيات الرائدة في مجال الثقافة و التي

أبانت عن براعة و اقتدار ، و تركت بصمات 

و آثارا في أوساط المثقفين و حتى الغير المثقفين

هي جمعيات قليلة تعد على رؤوس الأصابع 

و لا غرو إذا قلت أن عددها لا يتجاوز أربعا .

الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها أن رواد هذه الجمعيات الأربع  و القيمين عليها ، ضحوا بأوقاتهم

و قدموا أعمالا هادفة لا زالت أصداؤها تردد في

مجالس الناس و أحاديثهم .

كنت و بكل تواضع أحد المنخرطين في جمعية

الواحة للتربية و الثقافة ، و لم أمتنع يوما من

المشاركة في أعمال الجمعيات الأخرى متى طلب

مني ذلك لأنني أولا و أخيرا أعمل لصالح البلدة

و في كل ما من شأنه أن يرفع قدرها ، غير أن

لي استثناء أود أن أعلنه حتى أكون أكثر صدقا ،

فبفعل احتكاكي الدائم بصديقين عزيزين ، و نظرا

لما اكتشفته فيهما من سعة في زادهما المعرفي

 و نبل خلقهما من صبر و سماحة و نكران للذات

كل هذه الخصال أوثقت الصلة بيني و بينهما 

بروابط متينة خصوصا و أننا نسعى جميعا 

لتحقيق نفس الأهداف و لو برؤى تتفق في

كثير و قد تختلف في قليل و لكنها موسومة بحسن النية .

لعلك أخي القارئ تستعجل في قراءتك لتعرف من

هذان الرجلان ، إنهما الصديقان الفاضلان :

" مصطفى لفضيلي و مولاي محمد بنشريف "

رغم فارق السن بيننا ، فقد لمست فيهما رجاحة عقل و حسن خلق ، يدبران الأمور بحكمة 

و رصانة ، لهما غيرة لا تصفها الأقلام على البلدة ، و يعملان المستحيل للسير بها نحو الأمام ، لا لغرض في نفسيهما أو مصلحة شخصية يسعيان

خلفها و إنما يناضلان عسى أن تتزحزح البلدة من

 دائرة التهميش و الإقصاء .

هذان الرجلان و أمثالهما من رجالات بلدتي الذين

قدموا الكثير و إن لم أذكر الجميع في هذا المقال ، 

فليس نكرانا لخدمات الآخرين و لا لحزازة في النفس فكلهم إخواني و أصدقائي ، و لكن اقتصرت الحديث عن هذين اللذين عملت معهما لوقت طويل ، و الشكر و الامتنان لكل غيور ساهم و لو بالقليل في سبيل إشاعة الوعي و الفضائل بين ساكنة بلدتنا الحبيبة .

ختاما من لا يشكر الناس ، لا يشكر الله ، و قمة الجحود أن يتنكر الإنسان لمن أسدى إليه فضلا ،

أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم ،

و أحمده جل في علاه و لا أحصي ثناء عليه .


               ✏  محبكم في الله  زايد وهنا   ✏

 

هو غير ما تعتقد

 🔍   هو غير ما تعتقد  🔍


         رجل ذو بنية جسمانية تثير الدهشة ، تجعل من يصادفه ممن لا يعرفه حق المعرفة يتجنب الاحتكاك به درءا لردة فعله التي يتوقع أن تكون بنفس قوة بنيته ، خصوصا 

و أنه سريع الانفعال شديد الغضب إذا لاحظ من أحدهم تجرؤا للمس بكرامته أو إذا  شعر بإهانة لمبدإ من مبادئه التي لا يتزحزح عنها قيد أنملة . و لكن أولئك الذين عاشروه 

و احتكوا به يعرفون عنه ما يجهله الآخرون ، فو رجل في جوهره مسالم على جانب من حسن الخلق ، يكره النقائص ، 

و يصغر في عينيه من يأتيها و لو كان من أقرب المقربين ، 

لا يعرف النفاق إلى نفسه سبيلا ، و هي النقيصة التي يبغضها و أصحابها أشد البغض ، يجهر بما يراه حقا و صوابا و لا يخشى في ذلك لومة لائم .

لعل منهجه هذا في الحياة جعله لا يصحب إلا الأخيار ممن يستريح إليهم و يثق فيهم و يقاسمهم آماله و آلامه ، يعمل بما يشيرون عليه إذا استنصحهم في أمر ما دون تردد .

كنت واحدا من هؤلاء الذين عاشروه منذ زمن بعيد ، و لا أخفي سرا أنني كنت قبل أن أحتك به أظنه يحمل من الغلظة و الفضاضة ما ينطبق و بنيته الجسمية ، و لكن مع مرور الوقت و من خلال التقرب شيئا فشيئا منه ، تأكدت أن هذا الرجل يحمل قلبا سليما ، ظاهره كباطنه ، يتصرف ببراءة ، 

و أجمل خصلة فيه أنه سرعان ما يشعر بالندم و الأسى إذا أحس أنه أساء التصرف مع أحدهم ، فلا يهنأ له بال و ربما قد يبيت ليلته صاحيا يؤنبه ضميره ، فلا يتنفس الصعداء حتى  يطلب الصفح ممن أساء إليه و يأخذ بخاطره ، و هذه الخصلة لا يتصف بها إلا من كان بين جوانحه قلب سليم من الغل 

و الحقد .

ختاما أظن أن القراء من أبناء بلدتنا قد علموا الشخص الذي أعنيه ، و بالنسبة للذين يجهلونه فهو و بكل بساطة الموظف المتقاعد بوزارة الشبيبة و الرياضة ، و المدرب المقتدر في كرة القدم و الحكم المنصف إذا أدار مباراة لها ، هو الصديق     "  عبد القادر بنقدور "


      ✏  بقلم من لا يحابي أحدا  زايد وهنا  ✏

رجال على العهد

                   ⛏  رجال على العهد ⛏


         رن هاتفي المحمول ، فإذا المتصل السيد

" الهواري " ابن بلدتي المقيم حاليا بالرباط .

تبادلنا التحايا و بعد أن اطمأن كل منا على أحوال

الآخر ، ذكرني السيد " الهواري " بواقعة كانت قد

حدثت لوالدينا رحمة الله عليهما منذ زمن بعيد ،

كانت في وقتها واقعة مخيفة و صارت بعد ذلك 

ذكرى جميلة تخلد للصداقة المتينة بين الوالدين

المبنية على الثقة و الوفاء و الشهامة و التعاضد

الذي كان يجمع بينهما .

رجلان تحابى في الله ، يكافحان من أجل توفير 

لقمة العيش الحلال ، نسأل الله جل في علاه أن

يجمع بينهما في مستقر رحمته .

لا أحد من أهالي البلدة يعرف الشخص المقصود

إذا سميته باسمه الحقيقي " محمد بن امحمد "

و لو أضفت اسمه العائلي " بوزياني " خاصة

و أن العوائل التي تحمل هذا الاسم العائلي كثيرة

و تتشابه أسماء أفرادها ، مما يصعب معه التعرف

بسهولة على " محمد بن امحمد بوزياني " ، 

و لكن بمجرد أن تقول اللقب المشهور به و هو 

 " الموتشو " حتى ينجلي اللبس ، لأن الجميع 

يعرفه و لا حاجة لك لإضافة تعريف آخر .

هذا اللقب الذي التصق به منذ صغره ، أيام 

الاستعمار ، ذاك أنه خرج للعمل في سن مبكرة 

بإحدى الضيعات التابعة للمستعمر ، و كان مشغله

الإفرنجي يناديه بهذا اللقب " الموتشو " و التي

تعني الطفل في لغة الإفرنجة ، فأصبح هذا اللقب

مصاحبا له في أوساط أهل البلد ، و لم يثبت يوما

أن تبرم أو تسخط عند سماعه ، فهو في قرارة نفسه يعتبر هذا اللقب وساما يفتخر به لأنه يدل

على نضج و فطنة طفل ناضل من أجل العيش

الكريم رغم صغر سنه و لم يرض لنفسه أن يعيش

عالة على غيره بل بالعكس كان هو المساعد لأهله

و لولا شجاعته و صلابة عوده و حزمه في العمل

ما قبله النصراني و هو في تلك السن .

أما عن الواقعة فأحداثها كانت في بدايات السبعينات من القرن الماضي ، حيث اجتاح فيضان

واد " الكرابة " البلدة و تسبب في هدم المنازل

المحادية لضفتيه ، و باختصار تم إحصاء المتضررين و قامت الدولة ببناء بيوت لهم كتعويض في حي سمي ب " المنكوبين " نسبة

للنكبة التي حلت بأصحابه .

بنيت جدران المنازل بالطوب و التابوت ، و لكن بدون أسقف و لا أبواب و لا نوافذ و من غير تبليط

لأرضيتها ، و بعد مدة سلمت لأصحابها و هي على تلك الحال ، مما أثار استياء الناس الذين يرونها

غير صالحة للسكن ، و ليس لديهم و هم الفقراء

الطاقة المادية لإتمام إصلاحها ، فأجمعوا قولهم على أن يتطوع ثلاثة رجال منهم لزيارة السيد

العامل بالرشيدية و رفع تظلمهم له عساه يجد لهم

حلا لما يعانونه ، و استقر رأيهم على أن يساهم كل

متضرر بمبلغ زهيد ( خمسة دراهم ) كمصاريف التنقل لهؤلاء الثلاثة المتطوعين ، و ما دام السيد   " بوزياني محمد بن امحمد " ( الموتشو ) يملك متجرا بسيطا ، فقد جعلوه أمينا و دكانه مقرا لجمع تلك المبالغ البسيطة .

ما لم يكن في حسبانهم و هم البسطاء أن جمع

المبالغ المالية أمر محظور و ممنوع ، و هو ما جعل

السلطات المحلية آنذاك تضيق عليهم الخناق 

و تتهمهم بتهم لم تخطر على بال أحد منهم 

و خصوصا السيد الذي تجمع لديه الأموال ، 

تم استدعاء الرجل الذي حكى للسلطات كل شيء

بتفصيل و تمت المناداة على الآخرين ، و هنا كانت

المفاجأة ، فقد تبرأ المتضررون  الآخرون مما وقع و صرحوا أنهم لم يتفقوا على شيء مما ذكر إلا

رجل واحد هو والدي الذي صرح بكل شيء ، ولم

يكتف بذلك بل أعلن أمام السلطات أنه شريك

لبوزياني في كل ما يتهم به و أنه مستعد أن يتلقى 

معه نفس العقاب و لا يمكن أن يتخلى عنه .

علمت السلطات بعد ذلك أن هؤلاء البسطاء ما

فعلوا إلا بدافع البراءة طلبا لإنصافهم و ليست لهم نوايا أخرى ، فتم إغلاق الملف .

ختاما لعل الموقف الذي أبان عنه والدي في تلك

الواقعة و وقوفه بجانب صديقه هو ما جعل السيد بوزياني ( الموتشو ) يشيد بصداقته و شهامته ،

و بقدر ما عظم قدر والدي في نفسه بقدر ما سقط

قدر الآخرين في عينيه .

مات " محمد بن امحمد البوزياني " و مات 

" عسو وهنا " عليهما الرحمة و بقيت المواقف شاهدة و خالدة في أذهاننا ، نتذكرها من حين لآخر فنرفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه و تعالى أن يتغمدهما و أموات المسلمين بالرحمة 

و المغفرة .


 ✏بإيعاز من الهواري بوزياني و بقلم زايد وهنا✏

 

أديب في الخفاء

                    ✏  أديب في الخفاء  ✏


         لم يخطر ببالي يوما أن هذا الشاب الذي

أعرفه منذ زمن بعيد هو روائي بارع ، حتى فاجأ

الجميع بإصدار روايته الأولى بعنوان :

  "  بين اللحاء و اللحى "

فصاحب هذه الرواية موضوع الحديث هو الصديق المخلص السيد " علي عديدو " .

 رجل مثقف ملم بكثير من المعارف و العلوم ، دائم المطالعة خصوصا باللغة الفرنسية ،و رغم أن ظروف العمل --- بحكم المهنة التي يزاولها في قطاع حساس --- لا تترك له الوقت الكافي للمطالعة ناهيك عن التأليف ، فهو الأمر الذي جعلني أستبعد أن تكون له هذه الملكة في التأليف باللغة العربية و بهذا الإتقان و الجودة المبهرين ، هذه الموهبة التي أبان عنها دون سابق إخبار ، مما أضفى عليها طابع المفاجأة، فكانت حقا و دون مجاملة مفاجأة من العيار الثقيل ، فقد لقيت إقبالا لدى عدد كبير من القراء و استحسنها النقاد بل أشادوا بها و ببراعة صاحبها في السرد بأسلوب بليغ لا يقل روعة و متعة عن انتاجات فحول الروائيين ، و مما يزيدنا و صاحبها فخرا أنها أول عمل روائي و أول تجربة ، إلا أنها حازت الحظوة 

و نالت الإعجاب .

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذا الإطراء على عمل هذا الصديق هو من باب المحاباة و المجاملة،

و لكن أقول و بكل صدق و موضوعية أن العمل

يستحق كل الثناء و التنويه ، و من انتابه الشك في ذلك فما عليه إلا بقراءة الرواية ، حتى يتأكد

من صدق ما يقوله النقاد ، و له كامل الصلاحية في

إبداء رأيه ، لأن صاحب الرواية يحب النقد البناء

و يستريح للأراء المفيدة .

و لعل تنظيم السادة الأساتذة الجامعيين بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بني ملال ، جامعة السلطان مولاي سليمان للندوة الوطنية الموسومة

ب " قراءات لسانية و نقدية في رواية بين اللحاء

و اللحى لمؤلفها علي عديدو " لدليل قاطع و برهان

ساطع على جودة المنتوج و أحقيته بالبحث 

و النقد ، و قد كان لي شرف المشاركة في هذا اللقاء بورقة بحثية بعنوان :

 " الأسلوب في رواية بين اللحاء و اللحى ميثاق

معقود بين السارد و المسرود " .

و نظرا لقيمة هذا العمل الروائي الذي ذاع صيته

في أوساط القراء المتميزين ، تم كذلك تقديم 

و توقيع الرواية بالمركب الثقافي محمد المنوني

بمكناس بدعم من مديرية وزارة الثقافة و بحضور

ثلة من الدارسين و النقاد الباحثين الذين و بكل

موضوعية نوهوا بالعمل و صنفوه ضمن الانتاجات

الأدبية الجديرة بالقراءة و النقد .

ختاما أقول و بكل صدق أن هذا العمل أحيى فينا

 الأمل من جديد ، فكل التشجيع و التنويه لهذا الرجل الذي يجمع بين مكارم الأخلاق و النبوغ الأدبي و لولاه و أمثاله ممن يحملون الهم الثقافي ، و يعيدون للأدب مجده و فخره و ينيرون من حين لآخر عتمة التفاهة التي سادت و وجدت مرتعا لها في عقول التافهين لغزا اليأس نفوس الغيورين على الأدب و الفنون . 


               ✏ بقلم غير متحيز لزايد وهنا  ✏

أفضل ميراث

                     🌱   أفضل ميراث  🌱


           رجل ورث عن أبيه رحمه الله الكثير من الأشياء المحمودة ، حتى يخيل إليك أنك تجالس

شيخا كبيرا في السن ، استقى من الحياة دروسا

و عبرا جعلت منه إنسانا ذا مبادئ لا يتخلى عنها ، و لا يقبل عنها بديلا مهما كان الظرف ، ينافح من

أجلها و ينقلها بكل أمانة لأبنائه و تلامذته .

إنه بكل بساطة عبد المجيد الصديق المخلص ،

كانت صداقتنا امتدادا لصداقة والدينا عليهم رحمة الله ، نتفق كثيرا و نختلف أحيانا قليلة

و لكن الصداقة متينة لا يغير مجراها اختلاف

الرأي ، و لشدة تمسكه بمواقفه كنت ألقبه 

ب " المناغس " ، و هذا كله لا يفسد للود قضية ،

فالرجل حازم في الجد و مرح في الهزل ، لا تمل

من حديثه ، مواظب على صلاته ، له غيرة على

دينه و لغته مفتخر بوطنيته ، يجسدها في عمله

التربوي التعليمي ، تخرج على يده عدد كبير من

التلاميذ الذين يشهدون له بالكفاءة و الإخلاص

و غرس القيم الإنسانية النبيلة في نفوسهم مما

أثر فيهم و حصنهم من الأهواء المضلة و جعل منهم رجالا صالحين .

باختصار ، ما قلته في حق هذا الرجل ما هو إلا

غيض من فيض ، و لولا خوفي من الملل الذي قد يشعر به القارئ لأطلقت العنان للقلم و قلت الكثير

مما لم أفصح عنه .

رعيا لهذا المربي المقتدر و لأمثاله ممن يسعون 

لتربية النشء و تعليمه و جعل كل ما قدمه خلال

هذه المدة الطويلة في ميزان حسناته يوم يلقى

خالقه ، و أستغفر الله إن أخطأت سهوا في شيء 

من سيرة هذا الرجل .

        

                ✏  محبك في الله زايد وهنا   ✏

أشرطة بالأبيض و الأسود

                   

         🎥  أشرطة بالأبيض و الأسود  🎥


              أصبحت مؤخرا كلما اختليت بنفسي ،

أسترجع شريط ذكريات الطفولة ، و أتمعن في ذلك الماضي البعيد بكل تجلياته ، و كثيرا ما أتساءل عن سبب الغوص في زمن مضى و ولت أحداثه 

حلوها و مرها و أقول في نفسي ما الفائدة من تذكارها ، فأوعز ذلك للمرحلة العمرية المتقدمة التي أعيشها فربما تكون  هي السبب ، فإن لم تكن هي فلعله عامل الاغتراب عن الأهل و الصحاب يجبر صاحبه على الوحدة ، و في الوحدة يهيم الخيال و تتيه الأفكار و تتوالى الأحداث الماضية ،

و لم لا يكون السبب هو هذه المدنية المتحضرة في نظر معاصريها ، و ما جرته على الناس من بؤس و شقاء بفعل انجرافهم مع طوفان الماديات

و تهافتهم على مغريات الحياة بأي وسيلة و لو فاقت قدراتهم .

هذا التهافت وراء سراب الدنيا ، أفقدهم الشعور بالقناعة ، ففقدوا معها كل أسباب السعادة حيث ضرب بالقيم الإنسانية النبيلة عبر الحائط و التي كانت فيما مضى بمثابة العمود الفقري الذي يضبط 

تصرفات الناس و سلوكاتهم ، فغاب عن هؤلاء الحياء و استشرى الفساد و أهمل طلب العلم 

و تميعت الفنون الجميلة و انحطت الأذواق 

و سادت التفاهة و أصبح روادها نجوما لا يشق لهم غبار في الميوعة و المجون ، مما جعل الغيورين على القيم يعيشون غربة و يتأففون مما آل إليه الحال . 

فاعترى الناس فراغ روحي و وجداني ، و لم يعد يهمهم إلا المصالح الشخصية ، و نسوا أنهم استبدلوا السعادة بالتعاسة و ضيقوا على أنفسهم

من حيث لا يشعرون .

و لعل هذه الدوافع كلها مجتمعة هي التي جعلتني

أعود في أحيان كثيرة بالذاكرة إلى ذلك الماضي

التليد ، و أقارنه بما نعيشه حاليا ، فتتضح لي

الهوة الشاسعة بين الأمس و اليوم ، فيهزني الشوق و الحنين و تتوالى أشرطة الذكريات السارة أمام عيني ، و حتى تلك المؤلمة منها آنذاك لم تكن

بنفس ألم و مرارة ما أراه اليوم .

قبل أن أطلق عنان القلم لكتابة هذه التأملات ،

كنت أستمع إلى إحدى القصائد من شعر الملحون 

و هي قصيدة " سيدنا يوسف "  التي استوحى الشاعر الناظم وقائعها من القرآن الكريم و صاغها بطريقة زجلية في قالب جميل و مؤثر ، تسهل على المستمع البسيط فهم القصة جيدا .

و هنا تذكرت كيف أنني و منذ طفولتي أحفظ بعضا من أبياتها ، و الفضل في ذلك يرجع إلى 

رجل كان يجوب البلدات و القرى ، يضع متاعه على ظهر حماره و يحمل آلته الوترية ( الوتار )

و يتسول بأبواب المنازل و هو يعزف و ينشد 

تارة قصيدة " سيدنا يوسف " و تارة أخرى قصيدة " سيدنا إبراهيم " أو قصة " العجوز و ابنها علاء " و كنا نحن الأطفال نتبعه و نتنقل معه في الحي من بيت إلى آخر ، لنستمع و نستمتع ، و كم كنا نتمنى أن تتأخر صاحبة البيت قليلا قبل أن تتصدق عليه مما تيسر لديها حتى يسترسل في الإنشاد . و بفعل التكرار حفظت بعض الأبيات

التي رسخت بذهني فصرت أرددها في منزلنا 

و في الطريق إلى المدرسة ذهابا و إيابا ، و لعل تلك الأزجال و ما كنا نستمع إليه في المذياع من أغاني الزمن الجميل ، كل هذا كان بمثابة البذرة الأولى التي أنبتت في وجداني حب الغناء المتزن و الشعر الرصين ، فأصبحت مولعا و شغوفا أهيم بالشعر فصيحه و زجله ، مما دفعني في مرحلة الشباب و الكهولة للبحث في مجال شعر الملحون الذي وجدت فيه حقا أسرارا و مكنونات نفيسة لا

يتذوقها إلا من سبر أغوارها ، و عرفت كذلك أن انتشار قصائد الملحون في كثير من حواضر وطننا 

كان بفضل ذاك المتسول و أمثاله من الحكاواتيين

و الحلايقية الذين عملوا على نشره و تحبيبه للناس و تسهيل حفظه و ترديده خصوصا و أن هذا النوع من الأمداح كان هو الغالب في ذلك الزمن الذي لم يكن للتفاهة فيه حظ يذكر . 


                           ✏   بقلم  زايد وهنا   ✏

ابن هنين

 🎻   ابن هنين  ⚽


         تحدثت في العديد من المقالات عن أشخاص كان لهم و ما يزال الأثر البالغ في الذاكرة ، منهم من قضى نحبه و منهم من لا زال ينتظر ، فالرحمة للأموات و الصحة و العافية للأحياء . 

لم أترك أحدا ممن احتفظت ذاكرتي بشيء يميزه سواء كان صديقا أو أحد أبناء البلدة التي أنتمي إليها ، إلا و وفيته

حقه قدر الاستطاعة موضحا الجوانب المضيئة في حياته 

و التي تفرد بها دون غيره ، و لم أتحيز يوما لأحد فأثني على من لا يستحق أو أجحف حق من يستحق قريبا كان أو بعيدا ، و لم أكن أختار اختيارا عشوائيا ، بل أتحرى الدقة و الصدق ، فلا يحضى عندي بالتقدير و التبجيل إلا من أسدى لهذه البلدة و لأهلها خدمات جليلة يشهد له بها العدو قبل الصديق ، كل في مجال معين ، و هذا لا يعني قطعا أنني وفيت الجميع حقهم ، فربما هناك آخرون أغفلت الحديث عنهم و السبب بكل بساطة أنني لا أحتفظ لهم بشيء في ذاكرتي و لا أعرف عنهم شيئا مما يصعب التكهن بالحديث عنهم و إن فعلت فربما أجحف في حقهم و أسقط في أخطاء قد تسيء إلى سيرهم أكثر مما تحسن ، و هذا ما لا أسعى إليه .

اليوم قد حان دور رجل من أعز أصدقائي ، قضينا معا كل مراحل العمر من الطفولة إلى حدود كتابة هذه الأسطر ، جمعت بيننا صداقة متينة و صحبة دائمة ، أما الصداقة فما زالت قائمة ثابتة ، و أما الصحبة فقد فرق بيننا السعي وراء لقمة العيش فأضحت المسافة بيننا بعيدة ، و لم نعد نلتقي إلا قليلا و لكننا نتواصل عبر الهاتف .

كان الأجدر بي أن أبدأ به قبل الآخرين نظرا للروابط المتينة التي تجمعنا ، و لكن لا أخفي سرا أنه كلما هممت بتناول سيرته يأبى القلم أن يسعفني لأنني لا أعرف من أين سأبدأ 

و إلى أين سأنتهي و ماذا سأقدم و ماذا سأؤخر في سيرة رجل لازمني و لازمته منذ الطفولة إلى الآن ، و لو أطلقت العنان للقلم ، لنفذ حبره دون أن أوفيه حقه ، و لكن ارتأيت أن أذكر القليل خير من أن أترك الجميع و بالله التوفيق .

إنه رشيد الذي أناديه ب " ابن هنين " و هو نفس اللقب الذي يناديني به ، و قد اعتاد كل منا مناداة الآخر بهذا اللقب و لا داعي لذكر السبب .

كان رشيد أول طفل تعرفت عليه سنة 1972 عندما انتقلت أسرتي للسكن في الحي الذي يقطنه رشيد ، قادمة من الحي الذي تهدمت منازله المحادية للواد بفعل الفيضان ، و كان منزلنا من جملة تلك البيوت التي داهمها السيل و دمرها عن آخرها .

رشيد كان و ما يزال ذلك الشخص المتعدد المواهب ، فإلى جانب إتقانه لكرة القدم كان سباحا ماهرا و عازفا بارعا على آلة العود ، و كان يتميز بالعدو السريع ، لا يمكنك أن تمسك به مهما حاولت كما كان يتحلى بأخلاق فاضلة تأتي في مقدمتها

الثقة التامة ، استأمنه على خزائن الدنيا و اطمئن حباه الله قناعة قلما تجدها في غيره .

و نظرا للصحبة التي جمعتنا ، كنا لا نفترق عن بعضنا نهارا 

و ليلا ، فقد يمضي أسبوع أو أكثر دون أن يشارك أسرته على المائدة أو ينام في بيته ، و إنما كان يكتفي بزيارتهم لدقائق معدودة ثم ينطلق معي إلى حيث نريد ، لأنني كنت أستضيفه بمنزلي و كان أهلي يعتبرونه ابنا لهم و أخا لي ، نأكل سويا 

و ننام سويا ، حتى بلغ الأمر بوالدته رحمة الله عليها أن كانت تقول لي مازحة لقد أصبح رشيد ابنكم و ليس ابننا .

نعم هكذا قضينا الطفولة و الشباب ، و ما زالت تلك الذكريات راسخة في أذهاننا ، نسترجع شريطها كلما سمحت الظروف باللقاء .  

 

                    ✏ رفيق الدرب  زايد وهنا  ✏