القرار المجحف

 القرار المجحف


        لعل الذين وضعوا الأسس الأولى للسن المناسب للإحالة على المعاش و جعلوا حده الأقصى ستين سنة ، هم صادقون جدا ، و لا حق بجانب من يجادلهم في ذلك ، فهم لم ينطلقوا من فراغ أو أهواء نفس ، و إنما استندوا على أسس علمية و تجارب حياتية ، توالت عبر الحقب و الأزمنة ، و أثبتت أن حياة الإنسان مقسمة إلى مراحل ، و خصصوا  كل مرحلة بطاقات بدنية و أنشطة فكرية تناسبها ، و عرفوا بل تأكد لديهم أن الإنسان عند بلوغه سن الستين تتغير فيه أمور كثيرة ، حيث يظهر عليه بعض الفتور و العجز على المستوى الفيزيولوجي و تنتابه حالات اليأس و الملل على المستوى النفسي ، و لهذا ينبغي أن تتوقف مسيرته العملية عند هذا السن لأن بعدها سيقل عطاؤه ، مما يؤثر سلبا على مردوديته

و يزيد حالته الصحية و النفسية تأزما و سخطا ، خصوصا

إذا كان ينتمي لقطاع متعب كالتعليم ، فكيف بمن قضى أربعين سنة أو تزيد في التدريس أن يستمر بعد الستين بنفس الحماس 

و الجدية ، فهذه المدة الطويلة قد استنزفت تدريجيا كل قواه و لم تعد له الرغبة إلا في الراحة البدنية و الاستقرار  النفسي ، و التفرغ لأمور تناسب ما تبقى لديه من طاقة .

و لكن للأسف الشديد لا أحد من المسؤولين يقدر ما مر به هذا المدرس المسكين من محن ، و عوض تكريمه بالترقيات

و المكافآت و تحسين معاشه ، أضافوا له سنوات من المشقة 

و الضنك ، و قرروا ألا يخرجوه إلا محمولا على الأكتاف إلى قبره ، بئس ما قرروا و بئس الجزاء .

حوار بين القاتل و قتيله

 حوار بين جندي صهيوني جبان  و طفل فلسطيني يحتضر



الطفل : قتلتني أيها الهمجي و أنا طفل بريء أعزل ، و وقفت على رأسي و فرائصك ترتعد ، لتتأكد من موتي أتدري لماذا ؟ لأنك جبان .

الصهيوني : لدينا تعليمات بقتل الأطفال و الشباب ، لأنهم هم رجال الغد الذين سيثأرون ، و يحررون أرضهم .

الطفل : تبا لك و للتعليمات و لمن أصدرها إليك ، أتظن أن بقتلكم للأطفال و الشباب ستنعمون بالرفه في أرض 

اغتصبتموها .

الصهيوني : سنبيدكم جميعا من أجل أن نعيش في هناء 

و أمن ، و تكون فلسطين كلها لنا .

الطفل : أما تدري أيها الرعديد الخبيث بأن لي خمسة

إخوة و أمي حامل بالسادس ، و مثلهم عند جيراننا ، و اهل

حينا ، و أضعاف أضعافهم في مدننا و قرانا .

الصهيوني : سنمحقكم قريبا و لا نبالي كثرة عددكم .

الطفل : كذلك قلتم منذ ما يقرب من ثمانين سنة و أنتم

تقتلون و أعدادنا و الحمد لله في ازدياد ، يستشهد واحد

و يولد أربعة .

الصهيوني : سيمدنا حلفاؤنا بالأسلحة المحظورة دوليا لإبادتكم عن آخركم .

الطفل :  ذاك دأبكم لأنكم جبناء تختبئون وراء الأسلحة المتطورة ، و لولا حلفاؤكم لانمحى أثركم من زمان ، أما نحن فلا حليف لنا إلا الله وحده ، أمتنا الإسلامية لازمت الحياد ،

استعبدها الغرب فباعت ذممها و انغمست في الشهوات ،

و لكن مهما تفعلون ، ما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، هو القادر أن يجعل كيدكم في نحوركم ، و يشتت شملكم .

في هذه اللحظة ، ابتسم الطفل و هو يصارع النزع الأخير ، 

و قال بصوت خافت :

 اغرب عن وجهي و أبعد دنسك عني ، إن الملائكة تحوم حولي و أبواب الجنة تفتح أمامي :

  أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله .

 

الأسلحة و الأطفال : السياب

     دائما مع هذا النوع من القصائد التي تحمل من الألم أكثر ما تحمله من الجمالية .

بدر شاكر السياب و قصيدة " الأسلحة و الأطفال "

بأقدام أطفالنا العارية

يمينا و بالخبز و العافية

إذا لم نعفر جباه الطغاة

على هذه الأرجل الحافية

و إن لم نذوب رصاص الغزاة

حروفا هي الأنجم الهادية

فمنهن في كل دار كتاب

ينادي قفي و اصدئي يا حراب

و إن لم نضو القرى الداجية

و لم نخرس الفوهات الغضاب

و نجل المغيرين على آسية

فلا ذكرتنا بغير السباب

أو اللعن أجيالنا الآتية ...


أمتي لعمر أبو ريشة

 قصيدة شعرية بقدر ما راقني نظمها ألمني مضمونها ، هي للشاعر الكبير عمر أبو ريشة ،بعنوان " أمتي  "  يقول فيها :

                                   أمتي

أمتي هل لك بين الأمم   

          منبر للسيف أو للقلم

أتلقاك و طرفي مطرق    

        خجلا من أمسك المنصرم

و يكاد الدمع يهمي عابثا 

          ببقايا كبرياء الألم

أمتي كم غصة دامية      

        خنقت نجوى علاك في فمي

أي جرح من إبائي راعف 

        إنه الأسى فلم يلتئم

كيف أغضيت على الذل ولم 

        تنفض عنك غبار التهم

أو ما كنت إذا البغي اعتدى

         موجة من لهب أو من دم

فيم أقدمت و أحجمت و لم

         يشتف الثأر و لم تنتقم

اسمعي نوح الحزانى و اطربي

         و انظري دمع اليتامى و ابسمي

و دعي السادات في أهوائها

         تتفانى في خسيس المغنم

رب وا معتصماه انطلقت

         ملء أفواه البنات اليتم

لامست أسماعهم لكنها

         لم تلامس نخوة المعتصم

أمتي كم صنم مجدته

         لم يكن يحمل طهر الصنم

لا يلام الذئب في عدوانه

        إن يك الراعي عدو الغنم

فاحبسي الشكوى فلولاك لما

         كان في القوم عبيد الدرهم


     تعليق :

  آه و ألف آه ...للأسف الشديد 

النخوة ، النعرة ، الإباء ، الكبرياء ، نصرة المظلوم.... ،  

كلمات لم يعد لها دور و لا قيمة في قواميس اللغة العربية ، يجب أن تحذف تماما  ما دامت لا تحرك ساكنا في نفوس العرب و المسلمين .

يافا تحتضر

         لعل المجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني في المواطنين الفلسطينيين العزل ، لأكبر دليل على همجيته و أقوى برهان على خذلان الأمة الإسلامية ، و على إثر هذه الأحداث المحزنة و المؤلمة ، تذكرت قصيدة للشاعر هارون هاشم رشيد 

و هو من أكبر الشعراء المعاصرين بفلسطين ، ولد و نشأ 

و تعلم بغزة ، من دواوينه :

-- حتى يعود شعبنا .

--  أرض الثورة .

--  مع الغرباء .

القصيدة بعنوان " يافا تحتضر " ، يقول فيها :


تعالوا هاهنا شيخ كبير و هو يحتضر

يقول صمدت في يافا فلا خوف و لا خور

وقفت بها كحد السيف أدفع غدر من غدروا

تطاردني رياح الغزو يتبع خطوي القدر

يحاربني بما لم تعرف الأيام و العصر 

و يسرق زاد أطفالي و ما للعمر أدخر

و يسكن بيتي المنهوب مني ظالم أشر

هنا امرأة تشق الثوب صارخة و تنفجر

أما من نخوة فيكم تضج بكم و تبتدر

هنا طفل نما في الشوك لا فرح و لا سمر

و لا علم و لا زاد و لا ماء و لا ثمر

يقول أنا امتدادكم أنا زيد أنا عمر 

أنا العربي في  يافا  أسام بها و احتقر

و كنت بكم أنا أزهو على الدنيا و أفتخر 

هنا أهلكم عاشوا على الأشواق و انتظروا

و قالوا في غد تأتون يأتي الفوز و الظفر

و قالوا في غد تأتون يأتي العون و المطر 

و قالوا في غد تأتون يأتي العسكر المجر

و قالوا في غد تأتون و الأعلام تنتشر

و قالوا في غد تأتون ..قالوا ..رددوا..ذكروا

و مرت تعبر الأيام و الأعوام و العمر

و ما منكم لهم أمل يلوح و لا لكم خبر 

و ما منكم سوى النسيان يطويهم و يعتصر

و ما منكم سوى النكران لا ذكر و لا ذكر 

تعالوا ها هنا أهل لكم أعيتهم الغير

أيكفي أنهم صمدوا كما الأطواد و اصطبروا

أيكفي أنهم جاعوا فما ضجوا و لا ضجروا

أيكفي أنهم ثبتوا على الإيمان ما كفروا

أيكفي أنهم في القيد ما ذلوا و لا قهروا

سؤال حائر و الله ماذا كيف نعتذر

أما آن لمعتصماه و هي الصوت ينفجر 

بأن ترجعنا يوما  لماضينا  فنقتدر

أما آن لهذا الصوت صوت الحق ينتصر 

أما آن لهذا الرعد يبعث كل من قبروا

أتبلغ صرختي الآذان أم تمضي و تنحصر 

فيافا أيها الأحباب  يافا اليوم تحتضر 


الغطرسة شيمة الجبان

                      الغطرسة شيمة الجبان


         تبا للأسلحة المتطورة التي أوهمت الجبان الرعديد أنه شجاع باسل ، فقد جنبته مواجهة عدوه في ساحة المعركة ، و سترت جبنه ، فيكتفي الجبان و هو في مخبئه بالضغط على الزر ليحدث دمارا عشوائيا في مناطق بعيدة ، و لو حدث أن خرج من مخبئه في مواجهة عدوه ، لألقى ببندقيته

و أطلق العنان لساقيه يسابق الريح من شدة جبنه ، و لا يترك خلفه إلا ريحا كريها ، إنهم اليهود لعنهم الله .

فقديما عندما كانت المعارك تدار بالسيوف و الرماح ، و بعدها

بالبنادق التقليدية القريبة المدى ، لم تكن لليهود كلمة بل 

عاشوا منكمشين مشتتين في كثير من بلدان العالم ، يحتمون

بأسيادهم ، و لما تطور السلاح البعيد المدى ، و وجدوا من

يزودهم به لأغراض و أهداف صهيونية ، فقد تدججوا به

و اختبأوا خلفه ، إذ جنبهم الكثير من المواجهات في الميدان ،  هناك بدأت غطرستهم و ظلمهم غير أن عتادهم المتطور هذا لم يوفق في نزع الخوف و الجبن من نفوسهم ، و تلك نقطة

ضعفهم التي ستهزمهم إن شاء الله .


الغربال

                           الغربال


        من الملاحظ أنه كلما تقدم العمر بالإنسان إلا و يقل عدد 

الأصدقاء الذين يعرفهم و الذين كانوا بأعداد كبيرة أيام الشباب ، و هذا أمرطبيعي لأن المراحل الأولى من العمر بدءا بالطفولة حتى الشباب ، تكون لدى الإنسان قابلية للتعرف على العديد من الأقران بفعل الزمالة في الدراسة و الجوار في الحي ، إضافة إلى آخرين يتعرف عليهم من خلال مزاولة الأنشطة الرياضية و الفنية أو غير هذه من الأسباب الأخرى التي تجعل الشاب يربط علاقات مع الكثير ممن هم في مثل سنه أو من يقاربونه سنا . و هي في الحقيقة السن التي تغيب عن صاحبها معايير انتقاء الأصدقاء خصوصا و أن العلاقات التي تربط بينه و بينهم علاقات سطحية مبنية على أمور اللهو و المرح و لا شيء سوى ذلك ، غير أن المعايير الجادة التي تظهر معادن الناس و فضائلهم و حسن سرائرهم ، فهذه المعايير القيمة لا يدركها الشاب إلا بعد أن يتجاوز مرحلة الشباب و يلج مرحلة الكهولة حيث يتحمل المسؤولية التي كان قبل ذلك معفى منها إذ كان الأبوان هما من يتحملاها بدلا عنه ، عندئذ يخوض غمار الحياة و يصارع عقباتها و محنها ، و كيف لا و قد أصبحت له زوجة و أبناء ، فتجده أحيانا في حاجة إلى دعم معنوي أو مادي فلا يجد

بجانبه إلا قلة قليلة ممن كان يعتبرهم أصدقاء مقربين ،

و هكذا تبدأ تلك الرابطة في الانحلال ، و مع مرور الوقت 

تسقط العديد من الروابط و العلاقات مع من كان يعرفهم 

فتتم غربلتهم و لا يبقى منهم إلا القليل ، و هذا القليل هو نفسه يتناقص مع الأيام حتى لا يحتفظ لنفسه إلا بصديقين أو ثلاث على أبعد تقدير ، ممن يراهم صفوة المعارف ، نظرا لأخلاقهم الفاضلة و مبادئهم الثابتة ، يبثهم شكواه و يبثونه ، يتقاسم و إياهم الأسرار ، يجدهم و يجدونه في السراء 

و الضراء .

و هكذا تجد الرجل الذي تقدم به السن ، و تشرب من نبع الحياة حلوها و مرها ، يقتصر في صداقته بعد غربلة 

و اقتناع على شخصين أو ثلاث ، و هو يعلم علم اليقين أن

لا أحد منهم يخذله سيما إذا أحسن الاختيار ، و وضع لنفسه أولا و للآخر ثانيا معايير مبنية على أسس متينة ، و روابط

صداقة صادقة لا يشوبها طمع و لا خداع ، و يكون الحب في الله بينهما متبادلا .

فاللهم يسر لنا من خلقك أقواهم إيمانا و أحسنهم خلقا ،

يخافك فينا و نخافك فيه ، و أبعد عنا كل من يريد بنا سوءا

إنك تعلم ما في أنفسنا ، و لا نعلم ما في نفسك ، إنك أنت علام الغيوب . 


                                      بقلم  زايد وهنا