مواقف لا تنسى

         مواقف لا تنسى

يمر الإنسان في حياته بمواقف صعبة تترك أثرها في نفسه ، و لكن مع مرور الوقت تنسى تلك المواقف و تمحى من ذاكرته و لا يبقى عالقا فيها إلا موقف

 واحد يكون هو الأسوأ على الإطلاق و الأشد حزنا و الأكثر مرارة لم يستطع الزمان محوه من الذاكرة ، و الأدهى أن

تستحضر النفس من حين لآخر ذلك الموقف المخزي و كأنها تعيش تفاصيله

من جديد فتشعر بنفس الألم و الحزن الذي شعرت به وقتئذ و تعتري محياها مسحة من الغصة و الذل الهوان و كأن الموقف بعد كل هذه المدة  يعيد نفسه .

أشد المواقف هوانا

      أشد المواقف خزية


جفاني عمدا من غير ذنب جنيته

         و طردني علنا كأني ببابه أتسول

و ما كنت أزوره إلا غبا غير مقيم

          فكيف استبدل الكرم ذما لا يتحمل

ما أحسبني أبقى إلى زمن كهذا

         أهان كأني مجرم متلبس محتال

عدت أدراجي أطوي المسافات حنقا

        على غير هدى و الدمع تذرفه المقل

 عجبا لمن يقصي من الأصول أصلا

     و يدني بعيدا ما له في الأصول أصل  

 

يا قلب معذرة

               يا قلب معذرة 


معذرة يا قلب لقد حملتك فوق ما تطيق ، 

و لا ملامة عليك اليوم إن تكالبت عليك العلل و أثخنت ثناياك الجراح و استحكمت الآلام قبضتها عليك فرمتك بالسقم و أصابتك بالوهن ، لا أنكر حقا أنك تحملت في صمت و صبر ثقل هذا العمر كله ، و قاومت أوجاع السنين بكل تفان حتى جاء اليوم المشؤوم حيث أصابك السهم القاتل ، فانقلب كل شيء رأسا على عقب ، و رغم مكابرتك في مواجهة أعباء الحياة و مشاقها دون كلل أو ملل ، فالذي وقع لم تجد لنسيانه و تجاوزه طاقة ولعله السبب الذي صير صبرك و نشاطك و حيويتك  مرضا و كآبة و وهنا لأن وقعه عليك كان له بالغ الأثر خصوصا و قد سدد السهم من قوس  أقرب المقربين الذي لم يخطر على البال يوما أن يكون هو الرامي . 

كم توسلت إليك يا قلبي و استعطفتك أن تتجاوز ذلك الموقف المخزي و لكنك أبيت إلا أن تنساه ، و كيف لك أن تنساه و قد أصابك سهمه في المقتل ، و لم يترك لك فرصة للنجاة إذ منذ أن تجرعت مرارة ذلك الموقف و أنت تنزف و ظننت أن جرحك سيلتئم مع مرور الأيام و لكن هيهات فجراحات السنان لها التئام و لا يلتئم ما جرح اللسان .

و الحقيقة أن الإنسان قد يتجاوز أي مقدور يمر به ما لم يصل الأمر إلى الطرد ، تصور حدة الحزن و العذاب النفسي الذي تشعر به و أنت تطرد من بيت كنت تظنه بيتك الثاني بسبب أمور تافهة و سوء تفاهم بسيط بين أفراد

الأسرتين يمكن حل المشكل بأي طريقة و بأي أسلوب يراعي كرامة الآخر دون اللجوء إلى الطرد علانية باعتباره آخر 

الحلول مع الغرباء فما بالك مع الأقرباء

الذين تجمعهم صلة الدم و الأخوة .

لهذا من حقك يا قلبي أن تحزن و تتألم 

و أن تبتعد حتى لا تلدغ مرة أخرى ، و من حقي أنا أن ألتمس لك العذر .